بين خطاب الحشد وقيود الدستور: هل يملك الديمقراطيون القدرة على عزل ترامب؟

بين خطاب الحشد وقيود الدستور: هل يملك الديمقراطيون القدرة على عزل ترامب؟

في مواسم الاقتراع، تتحول نداءات الاستغاثة السياسية إلى أدوات لتعبئة القواعد الحزبية واستنفار التبرعات، لكن الفاصل بين الخطاب الدعائي والواقع الدستوري يبقى رهين نصوص حاسمة تفرّق بين إطلاق التهديدات وامتلاك القدرة على إنفاذها داخل أروقة السلطة التشريعية.

ومع بدء إغلاق لجان الاقتراع يوم الثلاثاء، وجّه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نداءً لجمع الأموال، حذّر فيه من أن خصومه الديمقراطيين «يدعون في العلن إلى عزلي» متى استطاعوا بسط سيطرتهم على مقاعد الكونغرس، وهو ما أعاد فتح النقاش الدستوري والسياسي حول حظوظ نجاح مساعي العزل.

اقرأ أيضاً: المحكمة العليا الأمريكية ترد طلب ترامب عزل بطاقات اقتراع في كاليفورنيا

وجاء في نص رسالته: «شارفت ولايتي الثانية على بلوغ منتصفها. وبصراحة، لا يزال هناك الكثير مما يجب إنجازه لإتمام مهمة جعل أمريكا عظيمة من جديد. أعدكم بأنني سأواصل النضال في كل يوم من أجلكم ومن أجل عائلاتكم. إن خصومنا من الديمقراطيين يظهرون قدرًا غير مسبوق من الغضب والجموح مقارنة بأي وقت مضى»، وذلك في محاولة لاستنهاض أنصاره أمام احتمالات عزله.

اقرأ أيضاً: نداء استغاثة لدعم مدرسة “عگربان” لتحفيظ القرآن الكريم وتعليم العلوم الشرعية بالمغرب

ولم تكن تلك الرسالة التحرك الأول من نوعه؛ فقد كشفت صحيفة «ذي آي بيبر» البريطانية عن نداء تمويلي سابق حمل عنوان «وداعا أيها الرئيس ترامب»، تضمّن تحذيرًا من عزم الديمقراطيين تقديم بنود العزل «منذ اليوم الأول». غير أن المعلق السياسي في الصحيفة سايمون ماركس فند ذلك في قراءة تحليلية قال فيها إنه «لا شيء في هذا النداء التمويلي يطابق الحقيقة»، نظرًا إلى استمرار تحفظ قادة الحزب الديمقراطي، وإلى استحالة الوصول إلى قرار الإدانة من دون تأمين موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ، وهو ما يفرغ التهديد الدعائي من مضمونه الواقعي.

الفارق الدستوري بين الاتهام والإقالة

يقوم هذا الجدل على خلط مقصود بين محطتين إجرائيتين منفصلتين؛ فمصطلح العزل يشمل أولًا توجيه الاتهام داخل مجلس النواب، ثم الإقالة من المنصب في مجلس الشيوخ ثانيًا، وهي التفرقة التي جمعتها رسالة الرئيس في سياق واحد.

اقرأ أيضاً: انتخابات التجديد النصفي للكونغرس: الديمقراطيون يحصدون 116 مقعداً في النواب مقابل 66 للجمهوريين

ويبيّن مجلس الشيوخ الأمريكي في دليله التنظيمي لإجراءات المحاكمة أن مجلس النواب يملك صلاحية توجيه لائحة الاتهام بالأغلبية البسيطة، في حين ينفرد مجلس الشيوخ بسلطة عقد المحاكمة القضائية، التي تشترط موافقة ثلثي الأعضاء الحاضرين لإصدار حكم الإدانة الذي ينهي ولاية الرئيس ويبعده عن موقعه التنفيذي، وهو ما يضع قيودًا واضحة أمام اكتمال عزل ترامب.

ويؤكد تحليل نشرته وكالة «رويترز» أن الديمقراطيين، حتى لو حازوا أغلبية مريحة في مجلس الشيوخ تبلغ 8 مقاعد إضافية، سيظلون عاجزين عن حشد الأصوات الكافية لكسر المماطلة التشريعية، أو إسقاط حق النقض الرئاسي «الفيتو»، أو إدانة الرئيس في أي محاكمة برلمانية.

ويوثّق السجل التاريخي هذه الصعوبة؛ فقد انتهت جلسة التصويت في فبراير 2021 إلى تأييد 57 عضوًا للإدانة في مقابل معارضة 43، ليفشل المسعى في بلوغ نصاب الثلثين المحدد بـ67 صوتًا، بعدما انضم سبعة أعضاء فقط من الحزب الجمهوري إلى المعسكر المؤيد، في حين كانت الإدانة تتطلب انشقاق 17 عضوًا، لتسجّل تلك الجلسة التبرئة الثانية للرئيس دونالد ترامب خلال ولايته الأولى.

وعلى صعيد الخريطة النيابية، ذكرت صحيفة «ذا غارديان» البريطانية أن الديمقراطيين يقتربون من استعادة الأغلبية في مجلس النواب استنادًا إلى تقديرات مركز «كوك بوليتيكال ريبورت» التي ترجّح حصولهم على زيادة تتراوح بين 15 و25 مقعدًا، إلا أن هذا التفوق لا يمنح الحزب سوى رئاسة اللجان الدائمة وسلطة استدعاء الشهود والوثائق الرسمية، من دون أن يوفّر له القوة التصويتية القادرة على إخراج الرئيس من البيت الأبيض.

التحقيقات الرقابية تسبق خيار العزل

تكشف دوائر التغطية أن الخطة الفعلية للديمقراطيين تنأى عن التسرع في طرح بنود الإقالة الفورية؛ إذ نقلت «رويترز» عن 4 مصادر مطلعة أن قيادات الحزب في مجلس النواب ترتّب لبناء استراتيجية تقصٍّ وتحقيق موسّعة تركّز على التدقيق في شبكة الشركات والمصالح المالية المحيطة بالرئيس، بدلًا من المضي في إجراءات متسرعة.

ونقلت الوكالة عن مستشار تشريعي بارز قوله: «لسنا داخلين على هذا لعزله.. لا أحد يريد تصويتًا فاشلًا في اليوم الأول»، مع تركيز المداولات الداخلية على فحص ملفات العقود الفيدرالية، ومصادر تمويل قاعة الاحتفالات في البيت الأبيض، واستثمارات صناديق الثروة السيادية، مع تأكيد الوكالة عدم اعتماد قائمة نهائية أو تدشين تحقيقات رسمية حتى اللحظة.

وتشير شبكة «سي إن إن» إلى أن المعارضة تسعى إلى استخدام أداة التقاضي والمحاكم، مستفيدة من الصفة القانونية التي تمنحها الأغلبية النيابية لرفع دعاوى قضائية كانت متعذرة في ظل وضعية الأقلية، ونقلت عن المرشح لرئاسة اللجنة القضائية جيمي راسكن تأكيده غياب هذا التوجه بقوله: «لم أسمع شخصًا واحدًا يقول لي إن أولويتنا القصوى يجب أن تكون عزل دونالد ترامب».

وفي سياق متصل، نقلت صحيفة «فايننشال تايمز» عن المرشح لرئاسة لجنة الرقابة روبرت غارسيا أن أولوية فريقه تنصب على استكمال جمع القرائن والوثائق المؤيدة للمساءلة، موضحًا أن استدعاء أفراد عائلة الرئيس يشكّل «مهمة هائلة» مقارنة بسهولة ملاحقة الشركاء التجاريين، وذلك وسط تحذيرات متصاعدة من نواب ديمقراطيين يخشون أن يتحول الاستعجال في هذا المسار إلى خطأ سياسي يضر بمستقبل الحزب.

انقسام داخلي حول جدوى العزل

تبرز لغة الأرقام عمق التباين داخل صفوف النواب الديمقراطيين؛ إذ وثّقت صحيفة «نيويورك تايمز» واقعة رفض مشروع قرار العزل الذي تقدّم به النائب آل غرين في سبتمبر الماضي بعد تصويت 232 نائبًا بالرفض مقابل تأييد 147 نائبًا، حيث صوّت 18 نائبًا ديمقراطيًا إلى جانب نواب الحزب الجمهوري لإسقاط المشروع، في حين فضّل 46 نائبًا ديمقراطيًا آخرين، من بينهم القادة الثلاثة للكتلة، تسجيل موقفهم بصفة «حاضر» للامتناع عن التصويت، وهو ما يعكس غياب الإجماع حول عزل ترامب.

ونقلت «سي إن إن» عن برلماني مقرّب من زعيم الأقلية حكيم جيفريز وصفه تحريك إجراءات عزل جديدة بأنه «مضيعة للوقت»، بينما حذّر نائب آخر من الانزلاق إلى «خطأ فادح» يهدد تماسك الحزب ويقوّض فرصه في المنافسة على انتخابات الرئاسة المقررة عام 2028.

في المقابل، أشارت مجلة «تايم» إلى اتساع نطاق الجناح المؤيد للمحاسبة؛ فقد أعلن كبير الديمقراطيين في لجنة القوات المسلحة والمرشح لقيادتها آدم سميث تحوّله من خانة التحفظ في مايو الماضي إلى مساندة التحرك بقوله: «أعتقد أن علينا أن نحاول حتى لو لم ننجح»، طارحًا مدخلًا بديلًا يقوم على استثمار التباينات الحزبية بقوله: «هناك جمهوريون سيؤيدون عزل وزير الدفاع بيت هيغسيث وقد لا يؤيدون فعل ذلك مع ترامب».

استهداف الوزراء وأوراق الحصانة

يمثّل هذا الطرح مسارًا واقعيًا تدعمه السوابق الدستورية؛ إذ كشفت مجلة «ذي أتلانتيك» أن سلطة مساءلة وعزل وزراء الحكومة منصوص عليها بصيغة واضحة في نصوص الدستور، رغم أن استخدامها تاريخيًا اقتصر على حالتين فقط.

ولفتت المجلة إلى قيام النائب الجمهوري توماس ماسي في سبتمبر الماضي بتحريك إجراءات تستهدف عزل وزير الدفاع بيت هيغسيث، وهو ما تعاملت معه القيادة الجمهورية حينها بتعليق جلسة التصويت وتأجيلها إلى ما بعد انتهاء انتخابات التجديد النصفي، ما يجعل الفريق الوزاري هدفًا أسهل للمساءلة مقارنة بمسار عزل ترامب.

وكشفت صحيفة «نيويورك بوست» أن الرئيس ترامب استبق يوم الاقتراع بإعلان استعداده لاستخدام صلاحيات العفو الرئاسي الاستباقي الشامل لحماية كافة العاملين في فريقه الحكومي في حال تعرّضهم للملاحقة من جانب الديمقراطيين.

وقال ترامب في مقابلة صحفية: «سأفعل إن احتجت إلى ذلك. بالتأكيد»، كما تعهّد بحماية رجل الأعمال إيلون ماسك من الملاحقة حتى في حال غياب اتهام رسمي، وذلك في ظل خطط رقابية محتملة لفحص دوره في وزارة كفاءة الحكومة ومراجعة العقود الفيدرالية الممنوحة لشركاته.

غير أن الوثائق المرجعية لمكتبة الكونغرس ضمن مجلد «الدستور المشروح» تؤكد وجود موانع قانونية حاسمة تقيّد هذه السلطة؛ فالصالحيات الرئاسية في إصدار العفو لا تمتد إلى جرائم الولايات ولا تشمل الدعاوى المدنية المرفوعة أمام القضاء، كما يحظر الدستور استخدام العفو في قضايا العزل البرلماني، فضلًا عن عجزه عن تحصين أي انتهاكات جنائية مستقبلية، ما يبقي أدوات الرقابة والتحقيق التابعة للكونغرس قائمة وفعالة ضد محاولات التعطيل.

وفي موازاة ذلك، تستبعد القراءات الدستورية إمكانية اللجوء إلى التعديل الخامس والعشرين كمدخل للإطاحة بالرئيس؛ إذ يفرض التعديل تحركًا مشتركًا يقوده نائب الرئيس بموافقة أغلبية أعضاء الحكومة لإعلان عدم قدرة الرئيس على ممارسة مهامه، وتنتقل السلطة حينها إلى النائب بصفة مؤقتة.

وفي حال اعترض الرئيس، يُحال النزاع إلى الكونغرس الذي يشترط تصويت ثلثي أعضاء المجلسين معًا لتثبيت العزل، ويؤكد أستاذ القانون مايكل غيرهارت أن نصوص التعديل تقتصر على معالجة حالات العجز البدني أو العقلي الكامل «وليس علاجا لسوء تصرف قد يكون الرئيس ارتكبه»، وفقًا لـ«بي بي إس نيوز آور».

ويؤكد موقع «أكسيوس» عجز نواب الكونغرس عن إطلاق هذا المسار بصورة منفردة لكون المبادرة محصورة بيد نائب الرئيس والوزراء، ولم يسبق استخدامه لعزل أي رئيس في تاريخ البلاد.

وتكشف وثائق الكونغرس الرسمية محاولة النائب جيمي راسكن تجاوز هذا العائق عبر تقديمه في 14 أبريل 2026 مشروع القانون «إتش آر 8275»، الذي يقترح تشكيل هيئة طبية مستقلة تضم 17 عضوًا تفحص الأهلية الصحية للرئيس بتوجيه من السلطة التشريعية، دون أن يحظى المشروع بفرصة الإقرار.

استطلاعات الرأي وحدود المساءلة

تعكس استطلاعات الرأي العام تباينًا لافتًا في المزاج الشعبي؛ فبيانات «بوليتيكو» تفيد بأن نصف المواطنين في الولايات المتحدة يؤيدون اتخاذ خطوات لعزل ترامب، ويرى 54% من المستطلعين أنه ارتكب مخالفات تبرر هذا الإجراء، غير أن الحماسة تتصاعد بصورة أكبر ضد أعضاء الإدارة؛ حيث يطالب 63% من ناخبي الحزب الديمقراطي بعزل وزير الدفاع بيت هيغسيث.

وفي المقابل، تفسّر مؤشرات مجلة «فوربس» حذر القيادات الحزبية؛ إذ يتوقع 24% من المشاركين أن تؤدي إجراءات المساءلة إلى رفع شعبية ترامب وزيادة تعاطف الشارع معه، مقابل 18% فقط يرون أنها ستسهم في خفض مكانته. وتتطابق هذه المخاوف مع النتائج الأولية لاستطلاعات الخروج التي نشرتها شبكة «سي إن إن»، والتي تظهر أن 71% من الناخبين يعتقدون أن الكونغرس لا يمارس دورًا كافيًا لكبح جماح الإدارة، ما يؤكد أن المطلب الشعبي يركز على تفعيل التوازن الدستوري والرقابة وليس الانخراط في معارك عزل مغلقة.

وتخلص دراسة نشرتها مجلة «فورين أفيرز» إلى أن التطورات التي رافقت عودة الرئيس ترامب كشفت عن اتساع في «فراغ المساءلة»، في أعقاب امتناع مجلس الشيوخ عن الإدانة عام 2021، وصدور قرار المحكمة العليا في يوليو 2024 بتثبيت مبدأ الحصانة الرئاسية، ما يحصر الإجابة العملية في ثلاثة مستويات؛ أولها أن الإقالة من المنصب تبدو شبه مستحيلة حسابيًا لغياب نصاب الثلثين، وثانيها أن توجيه الاتهام يظل متاحًا نظريًا في مجلس النواب لكنه يواجه كلفة سياسية باهظة دون قرار حاسم.

بينما يظل المستوى الثالث المتمثل في المساءلة الإجرائية واستدعاء الوثائق والشهود وفحص ميزانيات العقود الميدان الحقيقي للمواجهة؛ إذ تتيح هذه الأدوات للديمقراطيين تقييد حركة الإدارة وفرض رقابة مشددة على قراراتها التنفيذية دون الحاجة إلى بلوغ الأغلبية التعجيزية المطلوبة لإنفاذ عزل ترامب.

المزيد في قسم عربي و عالمي

شارك الخبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *