عدوى الهدوء: كيف نقطع سلسلة الذعر في زمن التدفق الرقمي؟

الخوف ليس مجرد انفعال عابر، بل هو أكثر المشاعر سرعة في الانتقال بين البشر، وأقلها احتياجًا إلى دليل ملموس. لا يتطلب الأمر أن ترى الخطر بعينيك لتشعر بالهلع؛ يكفي أن تلمح وجهًا مرتاعًا، أو تسمع نبرة صوت مرتجفة، أو تصل إليك رسالة تبدأ بكلمة “عاجل”، ليبدأ قلبك بالتسارع قبل أن تعرف حقيقة ما حدث.
العدوى العاطفية: نقل الشعور دون وعي
يطلق علماء النفس على هذه الظاهرة اسم “العدوى العاطفية”، إذ يقوم البشر دون قصد بمحاكاة تعابير الوجه ونبرات الصوت ووضعيات الجسد لمن حولهم، ثم يشعرون بما يشعر به الآخرون. وهذا ما يفسر لماذا يضطرب جمهور قاعة بكاملها إذا بدأ شخص واحد بالذعر، ولماذا يهدأ الأطفال حين يهدأ آباؤهم من دون أن ينطقوا بكلمة. وفي العصر الرقمي، يصبح الهاتف وسيطًا أقوى من الوجوه الحقيقية؛ إذ يتنقل مقطع فيديو بين مئات المجموعات، ناقلاً معه الشعور نفسه مئات المرات.
لماذا ينتشر الذعر أسرع من الاطمئنان؟
المشكلة أن المعادلة غير متكافئة: فدماغ الإنسان مصمم لإعطاء الأولوية للمهددات، لذلك ينتبه للخبر المخيف أسرع من الخبر المطمئن، ويتذكره لفترة أطول. ولهذا ينتشر الذعر من دون جهد، بينما يحتاج الهدوء إلى من يحمله بوعي إلى الآخرين.
في الأوقات المضطربة، يصبح كل واحد منا حلقة في سلسلة طويلة. يظن الكثيرون أن إعادة إرسال مقطع أو رقم أو توقّع “حسب المصادر” هو أداء لواجب إخباري، لكن الحقيقة أنهم ينقلون شعورًا لا معلومات. فالمقطع الذي شاهده الجميع ثلاث مرات لا يضيف معلومة جديدة في المرة الرابعة، لكنه يضيف خوفًا في كل مرة. والرقم الذي لم يُتحقق منه يكبر في كل يد تمر عليها، حتى يصبح أثقل من الواقع.
من الشعور إلى السلوك: كيف نصنع الأزمة التي نخافها؟
الخوف حين ينتقل لا يبقى مجرد عاطفة، بل يتحول إلى سلوك جماعي. في أي أزمة، نرى الناس يتزاحمون على ما لم ينقص، ويغيرون خططهم لمجرد أن غيرهم غيّر، ويتصرفون وكأن الخطر أقرب مما هو عليه. ولا يملك أحد منهم معلومة جديدة؛ كل ما في الأمر أن كل شخص رأى غيره يتصرف فتصرف مثله. وهكذا يصنع الذعر الأزمة التي كان يخشاها الجميع.
وصية نبوية في زمن الفوضى المعلوماتية
لقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في وصية وجيزة: “يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا”. ولا أفهم التبشير هنا على أنه تجميل للواقع أو إخفاء له، بل هو اختيار لما يُنقل إلى الناس وكيف يُنقل. فمن نقل إليهم ما يخيفهم من دون حاجة، نفّرهم؛ ومن نقل إليهم ما يثبتهم، بشّرهم دون أن يكذب عليهم.
والهدوء الذي أقصد ليس لامبالاة ولا إنكارًا للقلق. الهادئ ليس من لا يخاف، بل من لا ينقل خوفه. إنه الشخص الذي يتابع ما يهمه من مصدر موثوق، ويتوقف عن الإعادة والتكرار، ويتكلم أمام أهله ببطء، ويجيب أطفاله بقدر ما يسألون ولا يزيد. هذه كلها أفعال صغيرة، لكنها تقطع السلسلة عند حلقته.
قبل أن ترسل شيئًا في أي أزمة، اسأل نفسك سؤالًا واحدًا فقط: هل هذا يضيف معلومة أم يضيف خوفًا؟ فإن كان الثاني، فاحتفظ به. ولا تظن أن صمتك تقصير؛ فأحيانًا يكون أنفع ما تفعله لمن حولك ألا ترسل شيئًا.






