بيانات رسمية: 30.4 مليون رحلة بمترو الرياض في 3 أشهر.. مؤشرات على تحول في أنماط التنقل

لم تعد السيارة الخاصة الخيار الوحيد أمام سكان العاصمة السعودية للتنقل يومياً، بعد أن كشفت أرقام الهيئة العامة للنقل عن تحقيق مترو الرياض أكثر من 30 مليون رحلة خلال الربع الثالث من العام الجاري، وهو ما يعكس تزايد الإقبال على وسائل النقل العام في مدينة ظلت لعقود تعتمد بشكل كبير على السيارات.
وفي وقت تستعد فيه شبكة القطارات والحافلات لتوسعة طاقتها الاستيعابية لاستقمال مزيد من الركاب، يبرز تساؤل جوهري: هل بدأت الرياض فعلياً في تغيير ثقافة التنقل لدى سكانها؟
إقبال متزايد: 30.4 مليون رحلة في 92 يوماً
أظهرت البيانات الصادرة عن الهيئة العامة للنقل في 20 أكتوبر 2026 أن مترو الرياض سجل نحو 30.4 مليون رحلة ركاب خلال الربع الثالث من العام (يوليو – سبتمبر)، ليستحوذ على 79% من إجمالي رحلات القطارات داخل المدن السعودية، والتي بلغت 38.3 مليون رحلة في الفترة نفسها. وبلغ إجمالي رحلات ركاب السكك الحديدية في المملكة ككل 40.9 مليون رحلة خلال الربع الثالث.
وبحساب عدد أيام الربع الثالث البالغ 92 يوماً، يكون متوسط عدد الرحلات اليومية في مترو الرياض نحو 330 ألف رحلة. ويمثل هذا الرقم زيادة بنسبة 21% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، حين سجل المترو 25.2 مليون رحلة، وفقاً لمقارنة نشرتها منصة «أرقام» الاقتصادية استناداً إلى بيانات الهيئة.
وتشير هذه الأرقام إلى أن المترو لم يعد مجرد تجربة مؤقتة بل أصبح خياراً متكرراً للتنقل لدى شريحة من المستخدمين، علماً أن إجمالي الرحلات لا يعني بالضرورة عدد المستخدمين الفريدين، إذ يمكن للشخص الواحد أن يسجل عدة رحلات.
83% من المستخدمين يومياً.. ماذا يقول الاستبيان؟
من أبرز المؤشرات على تغير عادات التنقل، نتائج استبيان أعلنته الهيئة الملكية لمدينة الرياض في أكتوبر 2026، أظهر أن 83% من ركاب قطار الرياض الذين شملهم الاستبيان يستخدمونه يومياً. ويعني ذلك أن المترو أصبح جزءاً من الروتين اليومي للكثيرين، وليس مجرد وسيلة للترفيه أو تجربة الخدمة.
وكشفت الهيئة أيضاً أن إجمالي رحلات مستخدمي شبكة النقل العام بالرياض اقترب من 500 مليون رحلة منذ بدء التشغيل، منها أكثر من 300 مليون رحلة عبر مترو الرياض، كما تجاوزت رحلات الطلاب والطالبات في المدارس والجامعات 20 مليون رحلة. مع ذلك، لا تعني هذه النسبة أن 83% من جميع سكان الرياض يستخدمون المترو يومياً، كما أنها لا تشير إلى عدد الذين تخلوا تماماً عن سياراتهم الخاصة.
توسع استباقي: شراء 94 قطاراً لمواكبة الطلب
استعداداً لنمو الطلب، أعلنت الهيئة الملكية لمدينة الرياض في 13 أكتوبر 2026 توقيع عقود لشراء 94 قطاراً جديداً ليرتفع حجم الأسطول المعلن من 183 إلى 277 قطاراً، بقيمة إجمالية تبلغ نحو 5.5 مليار ريال سعودي، وتتولى تنفيذها شركتا سيمنز الألمانية وألستوم الفرنسية، على أن يبدأ تسلم القطارات على دفعات اعتباراً من عام 2028.
وتهدف هذه الخطوة إلى رفع الطاقة الاستيعابية الإجمالية للشبكة بنسبة 60%، مع توجيه الزيادة إلى المسارات الأكثر طلباً: المسار الأحمر بنسبة 142%، والأصفر بنسبة 116%، والأزرق بنسبة 60%. ويتزامن ذلك مع نمو متوسط أعداد الركاب بنسبة 25% خلال الأشهر التسعة الأولى من 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، ما يؤكد أن الجهات المشرفة تتعامل مع زيادة الاستخدام كاتجاه طويل الأمد.
ويضم مترو الرياض 6 خطوط رئيسية بطول 176 كيلومتراً و85 محطة، رابطاً بين مطار الملك خالد الدولي ومركز الملك عبدالله المالي والجامعات والمناطق الحيوية، عبر المسارات الأزرق والأحمر والبرتقالي والأصفر والأخضر والبنفسجي. وتبلغ الطاقة الاستيعابية التصميمية للشبكة نحو 3.6 مليون راكب يومياً، ما يوفر مساحة للتوسع مع نمو الطلب.
من السيارة إلى القطار: هل ينجح المترو في تغيير ثقافة التنقل؟
يعتمد نجاح النقل الجماعي على عوامل متعددة، منها أسعار التذاكر التي تبدأ من 4 ريالات سعودية لركوب لمدة ساعتين، مع خصم 50% للطلاب وكبار السن، وتوفير خيارات دفع متنوعة. كما تشمل الشبكة 80 مساراً للحافلات بطول 1900 كيلومتر وآلاف المحطات ومواقف للسيارات بالقرب من المحطات، لمعالجة مشكلة «الميل الأول والأخير».
أما عن تأثيره على الازدحام، فزيادة رحلات المترو لا تعني تلقائياً انخفاض حركة السيارات، خاصة في مدينة تشهد توسعاً سكانياً وعمرانياً. وتتوقف قدرة المترو على جذب مزيد من المستخدمين على انتظام القطارات، وكفاءة الربط بالحافلات، وسهولة المشي إلى المحطات، وتوافر مواقف السيارات، وتعمل الهيئة الملكية على تطوير شبكة الطرق وإدارة المرور بالتوازي.
ويمثل تطوير النقل الجماعي أحد مسارات رؤية السعودية 2030 لتحسين جودة الحياة، عبر خفض استهلاك الوقود والانبعاثات، وتقليل الاعتماد على امتلاك السيارة، وإتاحة خيارات متنوعة للوصول إلى العمل والتعليم والترفيه. ويزداد هذا التحدي أهمية مع استعداد الرياض لاستضافة معرض إكسبو 2030 وكأس العالم 2034.
تكشف الأرقام الحديثة أن مترو الرياض لم يعد مجرد مشروع بنية تحتية ضخم، بل أصبح وسيلة نقل تستقطب عشرات الملايين من الرحلات، مع نمو مستمر واستعداد لتوسيع القدرة التشغيلية. لكن الإجابة النهائية عن سؤال تغير ثقافة التنقل لا تعتمد على عدد الرحلات وحده، بل على استمرار نمو الاستخدام، وقدرة الشبكة على جذب مستخدمين جدد من أصحاب السيارات الخاصة، وتأثيرها القابل للقياس على الازدحام والتكاليف والبيئة.






