ظاهرة «التعفن الدماغي»: الجذور، الانتشار وتأثيرات على التركيز والسلوك

ظاهرة «التعفن الدماغي»: الجذور، الانتشار وتأثيرات على التركيز والسلوك

قبل أن تبدأ في قراءة المقال، هذا اختبار بسيط لن يستغرق منك دقيقة، وحاول أن تجيب بصدق بينك وبين نفسك. هل تجد صعوبة في إكمال قراءة مقال طويل أو مشاهدة فيلم كامل دون أن تتفقد هاتفك؟ وهل وصلت إلى مرحلة تعيد فيها قراءة السطر الواحد مرتين وثلاثًا لأن ذهنك لم يكن حاضرًا في المرة الأولى؟ هل تضيع منك أفكارك بسرعة وأنت تتحدث أو تعمل؟ هل تتوتر وتشعر برغبة قوية في تفقد هاتفك بمجرد أن يكون بعيدًا عنك؟ وهل تقضي ساعات في التصفح العشوائي للمقاطع القصيرة دون هدف واضح؟ وهل أصبحت تجذبك المقاطع الدوبامينية مثل فيديوهات المكبس الهيدروليكي وتحطيم الزجاج الملون وتقطيع الصابون الناشف والتنظيف والترميم السريع وغيرها من المقاطع التي تنتهي بشعور بالارتياح؟ إذا كانت إجابتك بنعم عن أكثر الأسئلة فأنت معني بكل ما سيأتي في هذا المقال، وما تشعر به ليس حالة فردية، بل له اسم صار متداولًا في العالم كله وهو “التعفن الدماغي”، وليس بالضرورة أن تكون مصابًا به ولكن قد تكون في مرحلة الحذر.

الأصل التاريخي والمصطلح

يعود أول ذكر لهذا المصطلح إلى عام 1854 عندما ورد في كتاب “والدن” لهنري ديفيد ثورو، حيث انتقد سطحية مجتمع ذلك العصر، وكانت آنذاك مجرد ملاحظة أدبية في القرن التاسع عشر؛ اليوم تحولت إلى موضوع بحث في الجامعات ومختبرات التصوير الدماغي.

الانتشار العالمي والتعريف

في ديسمبر 2024 اختارت دار نشر جامعة أكسفورد مصطلح “التعفن الدماغي” ليكون كلمة العام بعد تصويت شارك فيه أكثر من سبعة وثلاثين ألف شخص، وعرفته بأنه التدهور المفترض في الحالة الذهنية أو الفكرية للإنسان نتيجة الإفراط في استهلاك محتوى تافه لا يستدعي جهدًا، وقد ارتفع استخدام المصطلح بنسبة مئتين وثلاثين بالمئة خلال عام واحد.

لم يعد المصطلح مجرد كلمة يتداولها الناس، بل تحول إلى واقع نراه في مجالسنا وأعمالنا؛ يقتل الإبداع، ويضعف التواصل الفعال بين الناس، ويجعل النقاشات مجرد تكرار بلا فائدة.

بلغت الظاهرة مراحل متقدمة في حياتنا الاجتماعية، فأصبح البعض لا يرغب في سماع حديث طويل سواء في المجالس أو مع الأصدقاء أو حتى مع الأسرة، لأن استهلاك الدماغ المفرط للمحتوى الضعيف قد استنزف قدرته قبل أن يصل إليهم.

تحولت المجالس إلى عزلة جماعية؛ اجتماعات تقتصر على تمرير الشاشات وتقليب المقاطع بدلاً من تبادل الأحاديث؛ إذا فتحت أي مجلس اليوم لاحظت أن كل شخص موجود في مكان آخر، والشاشات تدور بين الأيدي أكثر مما تدور الفناجين.

حتى نمط الكلام تأثر، فبات يميل إلى المواضيع السطحية والتسلية فقط، لأن العقل يمل بسرعة من الموضوعات الهادفة.

انتقل هذا السلوك إلى بيئة العمل التي لا tolerate أي انشغال للدماغ بغير العمل؛ الموظف الذي يقطع تركيزه كل دقيقتين ليتفقد هاتفه يحتاج إلى وقت مضاعف لإنجاز ما كان ينجزه في نصفه، والاجتماع الذي تتوزع فيه العيون بين الطاولة والشاشات يخرج بقرارات ناقصة.

التأثيرات النفسية والاجتماعية وسبل المعالجة

من الناحية النفسية، الأثر الأوضح هو تشتت الانتباه؛ مثل عدم القدرة على التركيز في كتاب أو محاضرة أو حتى محادثة مدتها عشر دقائق دون أن تتفقد هاتفك، وهو مؤشر لا بد من إدراكه وعدم تجاهله.

ومن الآثار الواضحة أيضًا كسل التفكير، مثل الاعتماد على الذكاء الاصطناعي أو محركات البحث في صياغة أبسط الأفكار أو في اتخاذ القرارات الشخصية دون تشغيل العقل.

هذه الملاحظات ليست انطباعات شخصية؛ ففي سبتمبر 2025 نشرت الجمعية الأمريكية لعلم النفس مراجعة علمية جمعت سبعين دراسة وقرابة مئة ألف مشارك، وخرجت بنتيجة واحدة: الإكثار من المقاطع القصيرة يضر بالعقل، وأول ما يتضرر هو انتباهك وقدرتك على مقاومة المغريات.

ويفسر الباحثون الإرهاق الذي نشعر به بعد التصفح الطويل بأنه سببه تقطع المحتوى وليس طوله؛ فأنت خلال ثلاثين ثانية تنتقل من مقطع مضحك إلى خبر مؤلم إلى وصفة طبخ، وعقلك لا يستوعب هذا التنقل السريع، والثمن مدفوع من تركيزك.

والخوارزمية لا تظلم أحدًا؛ فهي لا تعطيك إلا ما طلبته منها؛ إن توقفت عند مقطع أعطتك عشرة مثله، وصناع المحتوى يقرؤون ما تطلبه فيصنعون المزيد منه؛ الحل يبدأ منك، وهذا هو الخبر الجيد، لأن الذي يبدأ منك يمكن أن يتوقف عندك.

ولكي أكون منصفًا، فإن ما تقدمه هذه الدراسات هو رابط بين شيئين وليس دليلًا قاطعًا؛ فلعل ضعف التركيز هو ما يوجه الشخص نحو المقاطع القصيرة، وليس العكس.

والخبر المطمئن أن أغلب هذه الآثار يبدو قابلًا للتعافي؛ فلا دليل على ضرر دائم في الدماغ، وكل ما تحتاجه هو تخفيف الاستخدام لتلاحظ بنفسك كيف سيتحسن تركيزك وتتحسن نفسيتك؛ ومعنى ذلك أن الأمر يحتاج انضباطًا في العادة اليومية أكثر مما يحتاج قلقًا على المصير.

ويبقى أن مصطلح التعفن الدماغي خرج من الجيل الجديد نفسه؛ فهو من أعاده إلى التداول ساخرًا من حاله ومن كثرة وجوده على الإنترنت؛ والسخرية لن تعالج الوضع، فالأمر يحتاج إلى قرار.

لمن يشك في أنه داخل في دائرة “التعفن الدماغي” ويريد تدارك الأمر وإصلاحه، عليه أن يعود إلى الأسئلة التي في أول المقال، وأن يختار منها واحدًا يبدأ بإصلاحه هذا الأسبوع، وليكن أقرب مجلس هو البداية.

شارك الخبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *