من القرامطة إلى الحوثي: عندما تستغل الجريمة العقيدة

الجرائم التاريخية وتبريراتها
يتساءل الكاتب عن كيفية تمكن الإنسان من رؤية ثياب الإحرام ثم البحث عن عذر لمن اعتدى على أصحابها. هذا السؤال يعيد القرامطة إلى الوعي، حيث يظل بعض الماضي غامضًا حتى يمنحه الحاضر وجوهًا نعرفها ومواقف نسمعها وتبريرات تكشف كيف يمكن للجريمة أن تقع أمام الناس ثم تجد بينهم من يدافع عن مرتكبها، وكأن وضوح الفعل يزيد حاجته إلى التأويل بدلًا من أن ينهيها.
كاننا نقرأ عن قتل الحجاج وانتهاك حرمة البيت، فنقف أمام بقاء الولاء بعد انكشاف الجريمة، وكيف يواصل الإنسان السير خلف من فعل ذلك. ثم شاهدنا الاعتداء الحوثي يبلغ المعتمرين، ورأينا كيف يُلتمس له العذر، فانفتح السؤال القديم على جوابه: قد يعرف المرء حرمة الدم لكنه يمنح انتماءه سلطة على هذه المعرفة، فيدين الفعل حين يرتكبه خصمه ويبحث عن ضروراته حين يرتكبه حليفه، عندها نفهم أن المعرفة الأخلاقية قد تبقى في اللسان بعدما تفقد قدرتها على توجيه الموقف.
رواية ابن كثير عن أحداث سنة ٣١٧هـ
ويروي ابن كثير في «البداية والنهاية»، في حوادث سنة ٣١٧هـ، أن أبا طاهر جلس على باب الكعبة والناس يُقتلون حوله، يقول: «أنا بالله و بالله أنا، يخلق الخلق و أفنيهم أنا»، وأن رجلاً ضرب الحجر عند اقتلاعه قائلاً: «أين الطير الأبابيل؟». في هذا نقرأ حقيقة الطغيان: أن يتوهم المعتدي أن قدرته على انتهاك الحرمة دليل على سقوطها، وأن يجعل غياب العقوبة العاجلة حجة لفعله، كأن الإمهال إقرار، مع أن تأخر الحساب لا يغير حقيقة الجريمة.
الاعتداء الحوثي على المعتمرين وسؤال الشرعية
وللمعتمرين في المشهد المعاصر دلالة تتجاوز خبر الاعتداء، فثياب الإحرام لا تمنح صاحبها إنسانية إضافية، لكنها تجرد المشهد من الأقنعة التي يتخفى وراءها التبرير: أناس خرجوا من شؤونهم إلى عبادتهم، لا يحتاج أحدهم إلى إعلان موقف سياسي حتى يستحق الأمان، كما لا يحتاج المسافر الآخر إلى إثبات فضيلة رحلته حتى يُدان الاعتداء عليه. تكفي إنسانيته، ويكفي أن حياته ليست ملكاً لأحد كي يجعلها وسيلة لبلوغ غايته. فبأي معنى يبقى ادعاء نصرة الدين إذا أمكن تبرير ترهيب قاصدي شعائره؟
هنا يرى الكاتب جوهر القرابة بين الحوثي والقرامطة: قرابة الفكرة التي تضع مشروع الجماعة فوق حرمة الإنسان، فتمنح نفسها حق تعطيلها متى اعترضت مشروعها، وتبدأ هذه الفكرة حين تتوهّم الجماعة أنها تملك الحق، فالذي يخدم الحق يقبل أن يُحاسب إليه، أما الذي يدّعي امتلاكه فيجعل نفسه مصدراً للحكم، ويطالب الناس بأن يقرؤوا أفعاله من خلال شعاراته، مهما ناقضت أفعاله تلك الشعارات.
وأخطر ما في هذا الانقلاب أن يصبح المقدّس تابعاً لمصلحة من يزعم الدفاع عنه، فيتولّى تحديد من يستحق الأمان وأي دم يمكن تجاوزه باسم الضرورة، بينما نقل القرطبي الإجماع على تحريم قتل الغير تحت الإكراه، فلا يفدي المرء نفسه بغيره. هنا يظهر الحد الذي يريد المبرّر محوه: إذا كان الخوف على النفس لا يمنح الإنسان حق قتل بريء لينجو، بأيّ حجة يصبح الخوف على مشروع الجماعة إذناً باستباحة الأبرياء؟
لهذا لا يكفي أن نسأل عما ترفعه الجماعة من شعارات، بل عما تمنعها شعاراتها من فعله، فالقيمة التي لا تضع حدّاً لصاحبها يمكن استخدامها لتزيين أيّ سلوك، والمبدأ يظهر حين يحرمنا وسيلة نافعة لأنها ظالمة، أما أن يبقى المشروع بريئاً مهما صنع، فمعناه أن البراءة مُنحت له سلفاً، وأن الضحايا لن يستطيعوا تغيير الحكم مهما كثروا.
ويأتي التبرير ليحرس هذه البراءة المصنوعة، فينقل النقاش من حق الضحية إلى حاجة المعتدي، يغيب المعتمر وتحضر «الرسالة»، ويت regress الإنسان وتتقدّم «المعادلة»، ويُطلب من الناس أن يفهموا ما أراده صاحب السلاح قبل أن يسألوا عمّا فعله بمَن لا سلاح لهم، هكذا يصبح التفسير وسيلة لإبعاد النظر عن الجريمة، كلما اقترب السؤال من الدم أُعيد إلى الشعار.
وليس كلّ الأدوار ظاهرة في المشهد، فهناك من يصل أثره ويغيب اسمه، ومن يرفع صوته بالخصومة ثم يترك للأعذار باباً لا يُغلق، ولا يحجب اختلاف الواجهات وحدة الأثر، فما يعين الاعتداء على الوقوع وما يعينه على الإفلات من حكمه الأخلاقي يلتقيان عند الحرمة المستباحة، والصمت عن تسمية الأدوار لا يعني العجز عن قراءتها.
وامتحان هذا المنطق بسيط: هل يقبل المبرّر أن يمنح خصمه الإذن نفسه؟ هل يرضى أن تُروّع أسرته لخدمة قضية يعارضها؟ إن رفض، فقد أقرّ بالحدّ الذي يريد إعفاء حليفه منه، وانكشف أن اختلافه يتعلّق بهوية الفاعل بينما يحاول تقديمه اختلافاً على معنى الفعل، وهنا يفقد الموقف اتساقه، لأن حرمة الإنسان لا تحتمل أن تتبدّل كلما تبدّلت الراية التي تعتدي عليه، ويبقى السؤال الذي لا يجيب عنه: من منحه سلطة على دماء الآخرين حتى يقبل التضحية بها نيابةً عنهم؟
وأما السعودية، فلن تصبح سلامة قاصديها ثمناً تدفعه من استقلال قرارها، فالقدرة على إيقاع الألم لا تنشئ حقاً في الإملاء، وحماية الطريق إلى البيت مسؤولية لا تُسلّم لمن يروّعه، لقد سخر أحد المعتدين من غياب الطير الأبابيل، ثم عاد الحجر الأسود إلى ركنه، و بقي البيت مقصداً، و بقيت جريمتهم جريمةً، وفي ذلك معنى أبعد من الواقعة نفسها، يستطيع المعتدي أن ينتهك الحرمة، لكنه لا يملك أن يمنح انتهاكه شرعيةً، ويستطيع أن يعترض الطريق، لكنه لا يصبح بذلك صاحب الوجهة.
من اقتلع الحجر .. لم يملك القبلة.
من اعتدى على قاصديها .. لن يملك القرار.






