لماذا نصل ولا نشبع؟ كشف سر الرغبة المحاكاتية

سؤال الرغبة وأصعب الإجابات
أسهل سؤال يمكن أن يطرحه إنسان على نفسه هو ماذا يريد من الحياة، لكنه أيضًا أصعب سؤال للإجابة بصدق. غالبًا ما يجيب الناس بسرعة ببيت أوسع وعمل أرقى ومناسبة يتحدث عنها الناس وسيارة تليق، ثم يتساءلون عن مصدر هذه الرغبة ويترددون لأن معظمهم لم يسأل نفسه هذا من قبل.
نظرية الرغبة المحاكاتية لرينيه جيرار
المفكر الفرنسي رينيه جيرار قضى حياته يدرس هذا الأمر وخلص إلى فكرة بسيطة ومؤلمة: نحن لا نرغب في الأشياء مباشرة، بل نرغب فيها لأن شخصًا آخر رغب فيها قبلنا. عندما يرى شخص زميله متحمسًا لمشروع يبدأ المشروع يلمع في عينيه هو أيضًا، وعندما يتسارع الناس إلى تخصص أو حي أو طراز تنتقل العدوى الرغبة دون أن نشعر. سماها جيرار “الرغبة المحاكاتية” أي أن الإنسان ينسخ رغباته عن محيطه كما ينسج لهجته.
خطر النسيان المصدر والفراغ بعد الوصول
المحاكاة بحد ذاتها ليست سيئة؛ إنها طريقة الإنسان في التعلم. الخطر يكمن في نسيان المصدر، إذ تصل إلينا الرغبة مغطاة بإحساس أنها رغبتنا الأصلية فنُدافع عنها ونضحي ونؤجل حياتنا من أجلها. عندما نحققها لا نجد ما كنا نتوقعه، لأن ما نشتهه في الحقيقة هو نظرة الناس إلى من يملكه لا الشيء ذاته. لهذا يشعر بعض من حققوا كل ما أرادوا بفراغ لا يفهمونه؛ وصلوا إلى القمة التي أشار إليها الجميع فاكتشفوا أنها لم تكن قمتهم، والرغبة المستعارة لا تشبع لأن هدفها يتحرك مع تحرك من حولنا.
اختبار التخيل لاكتشاف الرغبات الحقيقية
هناك تجربة عملية سهلة: تخيل أن كل من حولك اختفوا غدًا ولم يعد أحد يرى بيتك ولا مسمى وظيفتك ولا ما تقتني. ما الذي سيبقى من قائمة رغباتك؟ ما سقط من القائمة في هذا التخيل هو رغبة الجميع، وما بقي هو رغبتك أنت. قد تفاجأ بحجم القائمة الثانية فهي غالبًا أصغر وأهدأ وأرخص، لكنها الوحيدة التي إذا بلغتها شبعت.
التميز دون تمرد
هذا لا يعني أن نتمرد على الناس أو نخالفه تلذذًا بالمخالفة؛ فالمتمرد لمجرد التمرد يظل أسيرًا لهم لأن رغبته تتحدد بعكس رغبتهم. المقصود أن نعرف أي رغبة تخصنا فنمضي إليها ولو لم يصفق لنا أحد، وأن نترك ما لا يخصنا ولو صفق الجميع. في آخر الطريق لا يحزن الإنسان على ما فاته بقدر ما يحزن على ما أدركه وهو لا يريده.






