مصدر قوة الاقتصاد السعودي beyond النفط في ظل أزمات 2026

الاقتصاد السعودي تحت ضغط الأزمات
في عام 2026 واجه الاقتصاد السعودي ظروفاً صعبة بسبب الحرب في الشرق الأوسط وشبه توقف حركة الشحن عبر مضيق هرمز، ما أثر على صادرات النفط وسلاسل الإمداد ورفع تكاليف الشحن والتأمين. وصندوق النقد الدولي أشار إلى أن هذه الاضطرابات عطلت التجارة وضغطت على النشاط غير النفطي والثقة، لكنه لفت في الوقت نفسه إلى مرونة الظاهرة الاقتصادية السعودية المدعومة بأساسيات قوية وبنية تحتية متنوعة للنفط والخدمات اللوجستية.
نمو القطاع غير النفطي وميزانية متنوع المصادر
رغم الانخفاض المتوقع في الأنشطة النفطية بنحو 21.8٪، أظهرت التقديرات الأولية لوزارة المالية في البيان التمهيدي لميزانية 2027 الصادر في 30 سبتمبر انخفاضاً في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنحو 3.6٪ للعام. وفي المقابل، توقعت الوزارة استمرار نمو الأنشطة غير النفطية بنحو 3.2٪ خلال 2026، وقد حققت هذه الأنشطة في النصف الأول من العام نمواً بنسبة 1.8٪، فارتفعت مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي إلى مستوى تاريخي بلغ 57.3٪. وهذا يشير إلى أن الصدمة لم تنتقل بنفس القوة إلى جميع أجزاء الاقتصاد.
على صعيد المالية العامة، بلغت إيرادات الميزانية في الربع الثاني من 2026 نحو 338.8 مليار ريال، منها 185.1 مليار ريال إيرادات نفطية و153.7 مليار ريال إيرادات غير نفطية، أي أن الإيرادات غير شكّلت قرابة 45٪ من إجمالي إيرادات الربع. وعلى المدى الطويل، كشف البيان التمهيدي لميزانية 2027 عن ارتفاع الإيرادات غير النفطية من حوالي 166 مليار ريال في 2015 إلى 505 مليارات ريال في 2025، أي أنها تضاعفت أكثر من ثلاث مرات خلال عقد.
الاحتياطيات والقطاع المالي كخطوط دفاع
ارتفع العجز المالي في النصف الأول من 2026، ووصل الدين العام بنهاية يونيو إلى نحو 1.685 تريليون ريال. ومع ذلك، فإن قراءة هذه الأرقام لا تُفصل عن أصول الدولة واحتياطياتها وحجم الاقتصاد والقدرة على الوصول إلى أسواق التمويل. ويتوقع البيان التمهيدي لميزانية 2027 إيرادات بنحو 1.202 تريليون ريال ونفقات بنحو 1.392 تريليون ريال في 2027، مع عجز يقدّر بنحو 3.6٪ من الناتج المحلي الإجمالي، ضمن سياسة مالية تستهدف التوازن بين الإنفاق على الأولويات التنموية والاستدامة المالية، مع استمرار الاقتراض المحلي والدولي وفق استراتيجية الدين متوسطة المدى.
أما الاحتياطيات الأجنبية لدى البنك المركزي السعودي، فقد أكد صندوق النقد الدولي في مشاورات المادة الرابعة لعام 2026 أنها بقيت عند مستويات مريحة، وتغطي نحو 13.9 شهراً من واردات السلع والخدمات في 2026. ويظهر القطاع المصرفي قوةً ملحوظة؛ فإجمالي موجودات البنوك السعودية تجاوز خمسة تريليونات ريال، مع قاعدة ودائع تتجاوز ثلاثة تريليونات ريال، وائتمان للقطاع الخاص يتجاوز ثلاثة تريليونات. وأشار الصندوق إلى أن القطاع دخل الأزمة بهوامش قوية من رأس المال والسيولة، مع التأكيد على ضرورة مواصلة مراقبة الائتمان ومخاطر التمويل وانكشافات المشروعات الكبرى.
من الاستثمار إلى البنية التحتية والاستدامة
شهد عام 2026 اتفاقيات وإعلانات استثمارية كبيرة في التعدين والتقنية والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والصناعة ورأس المال الجريء. لكن الاختبار الحقيقي lies في تحويل هذه الإعلانات إلى مشروعات ملموسة على أرض الواقع، مثل المصانع ومراكز البيانات والمناجم والشركات والوظائف والصادرات والتدفقات الاستثمارية المستدامة.
أظهرت أزمة هرمز أهمية الاستثمار المبكر في البدائل اللوجستية؛ فإعادة توجيه النفط عبر خط أنابيب شرق–غرب إلى موانئ البحر الأحمر ساعدت على الحد من انخفاض تسليمات النفط، إلى جانب الاستفادة من المخزونات الخارجية، حين شهدت حركة الشحن عبر المضيق اضطراباً حاداً. وهذا يوضح أن التنويع لا يقتصر على ما تنتجه الدولة، بل يشمل أيضاً تنويع الطرق التي توصل من خلالها منتجاتها إلى العالم، فتصبح الموانئ والطرق وخطوط الأنابيب ومراكز التخزين والخدمات اللوجستية جزءاً من منظومة الأمن الاقتصادي.
الخطاب الملكي السنوي أمام مجلس الشورى في 30 سبتمبر 2026، الذي ألقاه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان نيابةً عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، قدم حصيلة عشر سنوات من العمل ورابط بين الإصلاحات الاقتصادية وتعزيز القدرة على التعامل مع الأزمات. وأكد أن المتانة الاقتصادية لا تعني أن تكون جميع المؤشرات إيجابية، بل أن يمتلك الاقتصاد القدرة على امتصاص الصدمة ومواصلة الحركة.
ما بعد الصمود يتطلب المحافظة على الاستدامة المالية ورفع كفاءة الإنفاق، وتوجيه الاقتراض إلى المشروعات ذات العائد الاقتصادي والتنموي، وإدارة آجال الدين وتكاليفه للحفاظ على المرونة المالية. وفي الاستثمار، يبقى التحدي تحويل الاتفاقيات ومذكرات التفاهم والإعلانات المليارية إلى مصانع ومراكز بيانات ومناجم وشركات ووظائف وتدفقات استثمارية فعلية. ولوجستياً، يثبت أن الاستثمار في البدائل ليس ترفاً، لذا ينبغي مواصلة رفع كفاءة موانئ البحر الأحمر وشبكات النقل والتخزين ومسارات تصدير الطاقة البديلة. وفي القطاع المالي، يبقى الحفاظ على سيولة البنوك وقدرتها على تمويل القطاع الخاص مهماً، مع مراقبة نمو الائتمان ومخاطر التمويل وتوسيع قنوات التمويل عبر أسواق الدين ورأس المال حتى لا تتحمل البنوك وحدها عبء تمويل دورة الاستثمار المقبلة.






