رونالدو يفضّل هدفه الألفي بقميص البرتغال ويردّ بـ«إن شاء الله»

رونالدو يفضّل هدفه الألفي بقميص البرتغال ويردّ بـ«إن شاء الله»

في عالم كرة القدم، لا تحتاج أحياناً إلى مباراة لتوليد حديث يمتد لأيام، ولا إلى هدف لإشعال المدرجات، فقد يكفي سؤال صغير في مؤتمر صحافي، وإجابة صادقة، ثم عبارة عابرة قالها صاحبها وابتسم.

سؤال صغير… خبر كبير

كان السؤال الصغير موجهاً إلى النجم الكبير كريستيانو رونالدو، خلال أيام الفيفا الدولية ومواجهاتها الأوروبية الساخنة: «هل تفضّل أن تسجل هدفك رقم 1000 مع النصر أم مع المنتخب البرتغالي؟».

يبدو سؤالاً بسيطاً، لكنه ذكي جداً في توقيته، ولا يطرحه إلا صحافي يعرف من أين يُصنع الخبر. فالصحافة لا تلج الأخبار من أبوابها الكبيرة دائماً، وإنما تفتش عن النوافذ الصغيرة، والسؤال هو تلك النافذة التي تفتحها بهدوء لتنظر إلى الداخل، لعلها تعثر على شيء يستحق عناء الدخول.

بين الصحافة والجمهور

ليس المطلوب من الصحافي أن يسأل ما يرضي الجمهور، وإنما ما يستحق أن يُسأل، وهذه هي المهنة في جوهرها: البحث عن الإجابة التي قد لا يعرف أحد بوجودها، الإجابة التي تصنع عنواناً، والعنوان يصنع خبراً، والخبر يصبح حديثاً، والحديث يجذب قارئاً إلى الصحيفة مرة تلو أخرى.

لكن ما تريده الصحافة شيء، وما يريده الجمهور منها شيء آخر. فالصحافي يريد إجابة، والجمهور يريد تفسيراً. الصحافي يطرح السؤال ليعرف، بينما يأتي الجمهور بعد الإجابة ليقرر ماذا تعني. ولهذا، ربما رأى بعض النصراويين في السؤال محاولة للنيل من رونالدو أو من تجربته مع العالمي، وربما ذهب الأكثر تعصباً إلى ما هو أبعد، فبحثوا عن ميول مفترضة للصحافي (قد تكون زرقاء)، أو تخيلوا أنه لا يريد لهذا اللاعب العظيم أن يكون في السعودية أصلاً.

وفي الجهة المقابلة، سيجد بعض مشجعي الأندية الأخرى (هلاليين، وأهلاويين، واتحاديين، وغيرهم) في إجابة قائد المنتخب البرتغالي والنصر ما يؤكد فكرتهم، أنه لا يرى النادي السعودي سوى محطة في مسيرته، وأن المجد الحقيقي الذي يريد أن يضيفه إلى قصته من المبهج أن يكون بقميص البرتغال.

والحقيقة أن الصحافي لم يقل شيئاً من ذلك. لقد سأل فقط، ورونالدو أجاب فقط. أما ما حدث بعد ذلك، فهو من ابتكار الجمهور.

وهنا تكمن إحدى أجمل مفارقات الصحافة: السؤال ملك الصحافي، والإجابة ملك الضيف، أما المعنى فغالباً ما يصبح ملكاً للجمهور.

قال رونالدو إنه يفضّل أن يسجل الهدف رقم 1000 مع المنتخب، وأن ذلك سيكون بمثابة الكرزة فوق الكعكة، وفصلاً آخر في قصة جميلة. لم يحتج الأمر إلى أكثر من ذلك.

سؤال واحد، وإجابة واحدة، يمكنهما أن يخلقا جدلاً يعيش سنوات، وأن يحولا الهدف رقم 1000 من مجرد رقم إلى موعد ينتظره الناس، ويتساءلون معه: أين سيأتي؟ وبأي قميص؟ وأمام من؟ ومتى؟ وهذه هي التفاصيل التي تصنع جلبة كرة القدم، تلك اللعبة التي لا تعيش في نتائج المباريات وحدها، ولا في البطولات والأرقام. أحياناً ما يبقى منها هو ما قيل قبل المباراة أو بعدها: جملة في مؤتمر صحافي، أو سؤال ظن صاحبه أنه صغير، فإذا به يكبر حتى يصبح جزءاً من ذاكرة اللعبة. فكرة القدم لا تُلعب داخل الملعب فحسب، بعضها يُلعب في المؤتمرات الصحافية، وبعضها الآخر في العناوين أو المدرجات، وجُلّها يُلعب في خيال المشجع.

«إن شاء الله»… رسالة بلغة المكان

ثم جاءت تلك العبارة الصغيرة التي أحببتها أكثر من السؤال نفسه: «إن شاء الله، إن شاء الله». قالها اللاعب الأسطوري وهو يبتسم.

أبهجني جداً أن يقولها، لأنه بدا وكأنه يرسل رسالة للسعوديين من دون أن يصرح بها مباشرة: «أنا أتحدث بلغتكم، وأعرف الكلمات التي تحبونها، وأعرف شيئاً من روح البلد الذي أعيش فيه». ولهذا، حين خرجت الكلمتان من فم رونالدو مصحوبتين بتلك الابتسامة، شعرت أنهما تقولان الكثير عن علاقته بالمكان أعمق مما تقوله عبارات طويلة. هو لم يقل في ذلك المؤتمر «أنا أحب السعودية»، ولم يحتج إلى قولها صراحة، إنما قالها بطريقته، بكلمة يعرف السعوديون وزنها، وبابتسامة يدركون جيداً كيف يقرؤونها.

وله في هذا الجانب قصة أطول من مجرد مؤتمر صحافي واحد. فقد تحدث في مناسبات مختلفة عن حياته في المملكة، وعن سعادته فيها، وعن تجربته مع الناس، لكن الجميل في هذه اللحظة العفوية أنها جاءت طبيعية بلا إعداد، ولا خطاب، ولا محاولة مصطنعة لصناعة صورة.

وربما لهذا السبب يحب كثير من السعوديين رونالدو، حتى أولئك الذين لا يشجعون النصر، لأنه لم يكتفِ بأن يلعب في بلادهم، وإنما بدا في مواقف كثيرة وكأنه يريد أن يكون واحداً منهم، وأن يتحدث عنها، وأن يرى فيها ما يراه أهلها: بلداً تلمس فيه السلام، وتعمل فيه بأمان، وتفرح فيه بالحياة.

كرة القدم… ما وراء المباريات

قد يختلف الناس على رونالدو لاعباً، وعلى النصر، وعلى البطولات، وعلى كل شيء تقريباً في كرة القدم، لكن ثمة بعداً آخر يحدث بعيداً عن ألوان القمصان. فحين يأتي نجم بحجمه إلى بلد، ثم يبدأ في التقاط لغته، وتفاصيله، ومفرداته، وطرائق أهله في الحديث، فإنه يتجاوز فكرة اللاعب الأجنبي الذي ينشط في دوري محلي، ليصبح بطريقة ما جزءاً أصيلاً من المشهد.

وهكذا تفعل اللعبة الأكثر شعبية في العالم، تأخذ تفصيلاً صغيراً جداً، وتمنحه حياة مديدة.

هدف لم يُسجل بعد، صار حديثاً صاخباً قبل أن يأتي، وسؤال مهني عابر تحول إلى مادة للجدل، وإجابة صريحة فُسرت كموقف في عيون البعض، وكلمتان عربيتان خرجتا بابتسامة، غدتا عند آخرين صك محبة وانتماء.

وربما هذه هي فتنة كرة القدم برمتها، أنها لا تحتاج دائماً إلى حدث ضخم كي تبقى حية، فأحياناً يكفي أن يقول لاعب كبير لا يتحدث العربية، في مؤتمر أوروبي، وبقميص منتخب بلاده: «إن شاء الله، إن شاء الله».

شارك الخبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *