كشف الهدر التعليمي الخفي في النظام السعودي وسبل ربط الإنفاق بالنتيجة

الهدر التعليمي الخفي وتأثيره
إن إنفاق الموارد على الطالب الذي يقضي سنوات دراسية دون أن يصل إلى المستوى المتوقع من التعلم يُعتبر أخطر أشكال الهدر في التعليم. فالمؤشرات قد تُظهر إتمامه للمرحلة في موعدها وتبدو كلفة تعليمه منضبطة، لكنه يبقى سؤالاً حاسماً: ما الذي تعلمه بالفعل؟ هنا تظهر كلفة التعلم غير المتحقق، وهي هدر لا تلتقطه حسابات الوفر ولا معدلات الانتقال والإكمال.
الفرق بين الوفر والكفاءة والفاعلية
تمثل كفاءة الإنفاق مطلباً ضرورياً في التعليم السعودي نظراً لاتساع المنظومة وحجم مواردها، ما يفرض تحسين التشغيل وتبسيط الإجراءات والحد من الازدواجية وتوجيه الموارد إلى الأولويات. وتظهر نتائج هذا المسار في مؤشرات مباشرة مثل مقدار الوفر المتحقق وإعادة توجيه الموارد والحفاظ على جودة الخدمة. ومع أهمية هذه المؤشرات فإنها لا تكشف مقدار التعلم الذي تحقق.
الفروق بين الوفر والكفاءة والفاعلية جوهرية: الوفر يعني إنفاقاً أقل قياساً إلى خط أساس أو بديل محدد؛ الكفاءة تعني تحقيق ناتج أكبر بالموارد نفسها أو النتيجة نفسها بموارد أقل؛ الفاعلية تعني بلوغ الهدف المطلوب. وقد تنخفض كلفة خدمة تعليمية من دون أن تتحسن نتائجها، كما أن تزامن الوفر مع فجوات التعلم لا يثبت علاقة سببية بينهما، بل يبين أن الحكم على القيمة التعليمية يقتضي قراءة المؤشر المالي إلى جانب التعلم المتحقق.
ربط الإنفاق بالنتيجة التعليمية
يكشف هذا التمييز أن مفهوم الهدر التعليمي أوسع من دلالته التقليدية المرتبطة بالرسوب والتسرب؛ فمع ارتفاع معدلات الانتقال والإكمال لم يعد هذان المؤشران كافيين لرصد جميع أشكال الهدر، إذ قد يجتاز الطالب الصفوف بانتظام ويحصل على الشهادة مع بقاء فجوات في معارفه ومهاراته الأساسية لم تُعالج في وقتها.
هذه الحالة تمثل ما يمكن تسميته بالهدر التعليمي الخفي: فجوة متراكمة بين ما كان ينبغي أن يتعلمه الطالب وما تعلمه فعلاً بعد سنوات أتيحت فيها فرص لاكتشاف الضعف ومعالجته. وتظهر أن العائد التعليمي المتحقق لا يتناسب مع ما استُثمر من زمن وموارد، وتكشف نتائج القياس أن الهدر بدأ بضعف لم يُعالج واتسع مع انتقال الطالب من صف إلى آخر من دون تحسن واضح.
تشبه فجوة التعلم ديناً تتزايد كلفته كلما تأخر سداده؛ أصله نقص في معرفة أو مهارة تأسيسية لم تُكتسب في وقته، وفائدته المتراكمة صعوبة ما يُبنى عليها من تعلم لاحق. ولا يسدد الانتقال إلى صف أعلى هذا الدين، بل يرحّله إلى مستوى أشد تعقيداً، ويمتد أثره إلى الفهم والاستدلال وحل المشكلات. لذلك تكون المعالجة المبكرة أقل كلفة وأعلى عائداً من معالجة متأخرة تستهلك وقتاً وموارد أكبر.
وتتيح أدوات القياس رصد بعض صور هذا التراكم؛ فتقدم نتائج «نافس» مؤشرات على جوانب الضعف في مراحل التعليم العام، وتكشف اختبارات القدرات والتحصيل الدراسي بعض آثاره قرب نهايته، وتضع الاختبارات الدولية النتائج الوطنية في سياق مقارن أوسع. تختلف أغراض هذه الاختبارات ومجالاتها، لكن نتائجها تقدم مؤشرات متعددة على تعلم الطلاب في مراحل مختلفة، وتمثل النتائج الدالة على الضعف إنذاراً يستدعي استجابة تعليمية تحدث تحسناً قابلاً للقياس، إذ تتضاعف كلفة الهدر كلما استمر الضعف من دون معالجة فعالة.
ويمتد أثر ضعف الجاهزية إلى مرحلة الانتقال إلى التعليم الجامعي؛ إذ قد يحد من قدرة بعض الطلاب على المنافسة على المقاعد عبر القبول الموحد. لكن عدد المتقدمين الذين لم يُقبلوا لا يصلح مؤشراً مباشراً للهدر، إذ تتداخل فيه سعة المقاعد وتوزيع التخصصات وشدة المنافسة واختيارات المتقدمين؛ والأدق هو عزل أثر الضعف الأكاديمي عن أثر هذه العوامل قبل نسبة عدم القبول إلى الهدر التعليمي.
تمتد كلفة الهدر الخفي خارج المدرسة وتتراكم في المراحل اللاحقة؛ فقد تتحمل الأسر نفقات دروس وبرامج مساندة، لكنها لا تتساوى في قدرتها على توفير هذا الدعم، فيحصل عليه بعض الطلاب بينما تبقى جوانب الضعف لدى آخرين من دون معالجة. وقد تخصص الجامعة أو الكلية وقتاً وموارد لاستدراك مهارات كان ينبغي اكتسابها في مراحل سابقة، بينما تتحمل جهة العمل عبئاً إضافياً للتأهيل. وهكذا تضيق فرص الطالب التعليمية والمهنية، وينخفض العائد على الإنفاق التعليمي، وتتراجع منافعه الاقتصادية والاجتماعية.
ولتحويل هذا التشخيص إلى أداة للقرار، ينبغي على مستوى المنظومة قراءة مجموعتين مترابطتين من المؤشرات بدل البحث عن رقم واحد يختصر المشهد. توضح الأولى متوسط كلفة تعليم الطالب حتى إتمام المرحلة، وتبين الثانية نسبة الطلاب الذين حققوا المستوى المتوقع من التعلم في نهايتها ومقدار تقدمهم منذ بدايتها. فقراءة الكلفة من دون نتيجة التعلم قد تمنح صورة مالية مطمئنة، وقراءة التحسن من دون كلفته قد تخفي تفاوتاً كبيراً في الموارد اللازمة لتحقيقه. والغاية من جمعهما معرفة أين تتحول الموارد إلى تعلم وأين تتعثر هذه العلاقة، لا ترتيب المدارس أو الحكم على الطلاب.
وتنتقل هذه القراءة إلى مستوى المبادرات التعليمية؛ سواء استهدفت الطالب مباشرة أم عملت عبر المعلم أو المنهج، ينبغي ربط كلفتها بما تحققه في التعلم. فلا يُقوَّم التطوير المهني بعدد المتدربين وساعات التدريب، بل بما أحدثه في الممارسة الصفية وتعلم الطلاب. ويُقوَّم تطوير المناهج بجودة المحتوى وقابليته للتطبيق وأثره في التعلم. وفي جميع الحالات تُقاس الكفاءة بتناسب الأثر التعليمي مع الموارد المستخدمة.
أما المبادرات التشغيلية الرامية إلى رفع كفاءة الإنفاق فتُقوَّم بما حققته من خفض فعلي في الكلفة بعد احتساب نفقات تنفيذها، وبأثرها في جودة الخدمة وسرعة وصول الدعم وحماية وقت التعلم. ويمتد تقويمها إلى تعلم الطلاب متى أمكن تتبع العلاقة؛ فالإجراء التشغيلي يؤثر أولًا في البيئة الداعمة للتعلم، ثم قد يظهر أثره في نتائج القياس.
يقاس نجاح كفاءة الإنفاق بقدرة المنظومة على تحويل مواردها إلى تعلم، لا بحجم الوفر فقط. فكلفة التعلم غير المتحقق لا تزول، بل تنتقل إلى مراحل لاحقة ويتحملها الطالب والمجتمع. ويكتسب الوفر قيمته التعليمية حين يتحقق من دون المساس بجودة التعليم، ويتيح توجيه الموارد نحو تحسين تعلم الطالب على نحو قابل للقياس.
صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة



