النصر يتحول من مجموعة نجوم إلى فريق متكامل

بداية موسم جديد وتغيير في الفلسفة
لم يعد بإمكان المتابعين استنتاج مسار دوري روشن السعودي من خلال مجرد النظر إلى أسماء اللاعبين، فالمنافسة لم تعد تُحسم بجودة الأفراد فقط. الموسم الجديد انطلق برسالة واضحة: المنافسة ستكون أقسى، والمساحات أضيق، والفرق أكثر جرأة، والفوز لن يُمنح لمن يملك النجوم فقط، بل لمن يعرف كيف يصنع منهم فريقاً.
ظهر النصر في أول أربع مباريات بصورة مختلفة لا تقتصر على الفوز أو التسجيل، بل كان هناك شيء آخر يمكن ملاحظته في الملعب قبل أن تخبرنا به الأرقام. حقق الفريق أربعة انتصارات متتالية وسجل 14 هدفاً، لكن الأهم كان طريقة الفوز. مع المدرب الجديد بدأ الفريق يظهر أكثر شراسة في الهجوم وأسرع في التحول وأكثر رغبة في الذهاب نحو مرمى الخصم. المدرب لم يتعامل مع فريق بطل على أنه مجرد مهمة للحفاظ على ما تحقق، بل سعى مبكراً لصياغة نسخة أكثر جرأة وشراسة.
في السابق كان النصر يملك الأسماء لكنه في بعض المباريات كان يبحث عن نفسه داخل الملعب، أما اليوم فاللاعب الذي يبدأ أساسياً يقاتل والبديل يدخل وكأنه بدأ المباراة، والأهداف لا تأتي من قدم واحدة والحلول لم تعد مرتبطة بنجم واحد، وهذا إحدى أهم علامات الفريق الذي يطمح لبطولة طويلة النفس.
عودة ملحمية أمام الاتفاق
لكن مباراة الاتفاق قالت شيئاً أكبر من كل الأرقام. لعب النصر بعشرة لاعبين منذ الدقيقة 13 ودخل الاستراحة متأخراً بهدفين، فكل الظروف هنا كانت تشير إلى خسارة أولى، لكن النصر رفض الاستسلام وعاد بهدف ثم آخر ثم قاتل حتى الدقيقة الأخيرة وانتزع الثالث بروح العزم والقوة والثبات. هذه ليست مجرد ريمونتادا، بل مباراة يمكن أن نعود إليها في نهاية الموسم ونقول هنا عرفنا شخصية هذا النصر.
البطولات لا تُحسم دائماً في الليالي التي تكون فيها الأفضل، بل كثيراً ما تُحسم في الليالي التي تسير فيها كل الظروف ضدك ثم ترفض أن تخسر، وهذا ما فعله النصر. والأجمل أن هذا النصر لم يعد يدخل الملعب وهو ينتظر من كريستيانو رونالدو أن ينقذه في كل مرة.
تأثير جواو فيليكس ورونالدو على هوية الفريق
كريستيانو ما زال كريستيانو حضوره، أهدافه، قيادته، غضبه من الخسارة وشغفه الذي لا يبدو أنه يعترف بالعمر، كلها عناصر تمنح النصر قيمة لا تقاس بالأرقام وحدها. لكن ما أراه بشكل إيجابي وأفضل ما يحدث لرونالدو هذا الموسم أن الفريق من حوله أصبح أكثر قدرة على حمل المسؤولية معه. لم يعد المشهد أين كريستيانو؟ بل أصبح من سيضرب هذه المرة؟ وهذا السؤال وحده كفيل بإرباك أي خصم، لأنك إن أغلقت الطريق أمام رونالدو سيظهر ماني وإن راقبت كومان ستجد لاعباً قادم من الخلف وإن ظننت أنك سيطرت على مفاتيح النصر يظهر لك اسم أصبح منذ بداية الموسم أكثر من مجرد لاعب داخل التشكيلة: جواو فيليكس.
أعتقد أن الحكاية الحقيقية لجواو هذا الموسم لا تبدأ من عدد أهدافه ولا من تمريراته ولا حتى من مهارته التي لم تكن يوماً موضع شك. فحكايته تبدأ من شيء آخر: جواو يلعب وكأنه وجد مكانه أخيراً داخل هذا الكيان، وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث مع لاعب موهوب لسنوات كان السؤال حوله لماذا لا نرى كل ما يملكه؟ أما اليوم فالسؤال تغيّر وأصبح كيف توقفه؟
في النصر لا يبدو جواو لاعباً يبحث عن نفسه بل لاعباً يعرف ماذا يريد من الكرة عندما تصل إليه، لا يستعرض موهبته بل يستخدمها، لا ينتظر المباراة لتأتي إليه بل يدخل في تفاصيلها ويتحرك بين الخطوط، يصنع المساحة، يربط اللعب ويخلق الفرصة ثم يظهر أمام المرمى وكأنه كان يعرف قبل الجميع أين ستذهب الكرة. وهنا تحديداً تكمن قيمة جواو فيليكس.
النصر كان يملك النجوم من قبل لكنه كان يحتاج إلى لاعب يمنح الهجوم فكرة وجواو يفعل ذلك؛ وجوده لم يعطِ اسماً كبيراً إلى قائمة النجوم فقط بل غيّر شكل العلاقة بينهم فأصبح رونالدو أكثر تحرراً وأصبحت التحركات حول منطقة الجزاء أكثر تنوعاً وأصبح الخصم أمام معضلة حقيقية من يراقب؟ واللافت في جواو أنه لا يلعب هذا الموسم وكأنه جاء ليكون مساعداً لكريستيانو ولا يبدو كريستيانو أيضاً وكأنه يريد من الجميع أن يكونوا مجرد مساعدين له، وهذه نقطة مهمة جداً في النصر الجديد: هناك نجوم ولكن لا أحد أكبر من فكرة الفريق.
لهذا ربما كان مشهد مباراة الاتفاق هو الاختبار الحقيقي حين نقص العدد وتأخر النصر بهدفين، كان من السهل أن تختفي المهارة خلف ضغط المباراة لكن هنا ظهر جواو بصورة مختلفة؛ لم يبحث عن لقطة فردية تحفظ له حضوره بل دخل في قلب العودة وهنا يصبح اللاعب أكثر من موهبة يصبح شخصية قوية ملفتة للجميع.
لهذا يبدو جواو حتى الآن أحد أبرز وجوه الدوري وليس النصر فقط؛ ليس لأنه الأكثر ضجيجاً بل لأنه من أكثر اللاعبين تأثيراً في شكل فريقه. فهناك فرق بين لاعب يسجل كثير ولاعب يجعل الفريق كله يبدو أفضل عندما يكون موجود؛ جواو يفعل الاثنين. وهذا ما يجعل نسخة النصر الحالية مثيرة.
كريستيانو يمنح الفريق عقلية الانتصار؛ جواو يمنحه الخيال؛ ماني يمنحه القوة والخبرة؛ والمدرب يحاول أن يجمع كل ذلك داخل منظومة لا تعتمد على فرد. لكن تبقى القطعة الأهم التي لا تُشترى في سوق الانتقالات: الروح. تلك الروح التي جعلت عشرة لاعبين يرفضون الاستسلام أمام الاتفاق، والروح التي تجعل البديل يدخل وكأنه صاحب المكان، والروح التي جعلت أربعة انتصارات لا تبدو متشابهة رغم أن نهايتها واحدة.
ولهذا فإن الحديث عن 14 هدفاً وحدها يظلم ما يحدث في النصر؛ الأهداف نتيجة أما التحول الحقيقي فهو أن الفريق بدأ يؤمن بأنه قادر على الفوز بأكثر من طريقة وهذه هي الصفة التي تسبق البطولات عادةً. الموسم لا يزال طويلاً والمنافسة لن تنتظر أحداً ومن المبكر جداً أن نمنح اللقب لفريق بعد أربع مباريات لكن البدايات لا تمنح البطولات نعم إلا أنها تكشف النوايا؛ ونوايا النصر هذا الموسم تبدو واضحة: فريق لا يريد فقط أن يفوز عندما يكون أفضل بل يريد أن يفوز عندما يتأخر وعندما ينقص؛ فريق يريد الفوز عندما تتعقد المباراة وعندما يعتقد الخصم أن الطريق أصبح مفتوحاً لإسقاطه.
ربما يخسر النصر غداً فهذه كرة القدم وربما يمر بفترات صعبة فهذا موسم طويل لكن ما يمكن قوله اليوم بثقة هو أن هناك شيئاً تغير. (النصر لم يعد مجموعة نجوم تبحث عن بطولة) النصر بدأ يتحول إلى فريق يعرف لماذا يريدها.
وبين كريستيانو الذي لا يشبع من الانتصارات وجواو الذي يبدو وكأنه استعاد أجمل نسخة من موهبته ومدرب منح الفريق جرأة مختلفة ومجموعة تقاتل وهي بعشرة لاعبين تبدو الرسالة الأولى للموسم واضحة: 14 هدفاً أخبرت الجميع أن النصر قوي؛ النصر لم يبدأ الموسم منتصراً فقط بل بدأه بعقلية فريق يعرف جيداً ما يريد؛ وفي ليلة الاتفاق أجاب النصر بعشرة لاعبين وبعد تأخر بهدفين وفي أصعب سيناريو ممكن: نحن لا ننتظر أن تمنحنا المباراة طريقاً للفوز بل نحن نصنعه ونسجله للتاريخ.
صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة



