الرئيسيةاقتصادالسعودية تبني قراراً صعب الابتزاز عبر...
اقتصاد

السعودية تبني قراراً صعب الابتزاز عبر تنويع الشراكات وتعزيز القدرات

23/08/2026 13:00

فلسفة التنويع واستقلال القرار

في العلاقات الدولية لا يبدأ الضغط دائماً من تفوق قوة الخصم، بل قد ينشأ عندما تقتصر الخيارات المتاحة أمام الدولة وتصبح الحاجة إلى مورد أو شريك أو ممر وحيداً نقطة يمكن للآخر أن يمسك بها ويتحول التعاون إلى ورقة ضغط قابلة للتسعير السياسي عند أول خلاف.

اللوجستيات كمقياس للمتانة

السعودية لا تسعى لاستبدال اعتماد باعتماد آخر، ولا تبحث عن مركز جديد ليحل محل القديم، بل تنشئ بنية تحتية تمنحها طرقاً متعددة، وشركاءً متنوعين، وقدراتٍ داخليةً متزايدةً بحيث لا يحتكر أي طرف حاجةً سعوديةً ثم يحوّلها إلى نفوذٍ على القرار. هذا النهج يتجلى في قطاعات الطاقة والدفاع والصناعة والتقنية والغذاء والنقل وسلاسل الإمداد والاستثمار، حيث لا يُنظر إلى الميناء مجرد رصيف، ولا إلى المصنع مجرد خط إنتاج، ولا إلى المخزون الاستراتيجي مجرد مستودع، ولا إلى الطريق البديل مجرد تحسين هندسي، بل كل منها يوفر مساحة إضافية يتحرك فيها القرار عندما تضيق المسارات التقليدية.

الصناعة والتقنية كأساس للسيادة

اللوجستيات توضح الفرق بين الكفاءة والمتانة؛ الكفاءة تسأل عن الأرخص والأسرع، بينما المتانة تسأل: ماذا لو انقطع الطريق؟ الدولة التي تبني للكفاءة فقط قد توفر في أوقات الاستقرار ثم تدفع أضعاف ما وفّرته عند الأزمات، بينما التي تحتفظ بطريق ثانٍ ومنفذٍ آخر ومخزونٍ كافٍ تشتري تأميناً لا يظهر قيمته إلا عندما يضطرب العالم. الاضطراب في ممر بحري بعيد قد يؤخر السفن، ويرفع التكاليف، ويعيد رسم طرق التجارة، لأن مصير السلعة التي تصل إلى بابك قد يكون معلقاً قبل ذلك بآلاف الكيلومترات عند نقطة لا تملك قرارها، ولذلك لا تُقاس قوة الشبكة بأقصر طرقها فقط، بل بقدرتها على الاستمرار عندما ينقطع أحدها.

الدروس التاريخية والرؤية المستقبلية

ينطبق الأمر نفسه على الصناعة؛ الدولة التي تستورد كل قدرة حيوية قد تمتلك المال لكنها لا تمتلك دائماً الزمن، وفي الأزمات يصبح الزمن مورداً سيادياً كما تصبح المعرفة كذلك؛ المال يشتري الآلة في لحظتها لكنه لا يشتري دائماً الإتقان لأن الإتقان خبرة تراكمية ومعرفة وطنية تستطيع التشغيل والصيانة والتطوير وإعادة الإنتاج. لذلك لا يعني توطين الصناعات الاستراتيجية أن نصنع كل شيء بأنفسنا؛ فهذا غير اقتصادي ولا واقعي، بل أن نعرف ما الذي لا يجوز أن تكون حاجتنا إليه رهينة مورد واحد، وما الذي ينبغي أن نمتلك معرفته أو جزءاً من سلسلته أو بديلاً موثوقاً له. اليوم لم تعد المقابض موانئ ومصانع فقط؛ فقد يكون المقبض برنامجاً لا تملك تحديثه، أو سحابةً لا تتحكم في شروطها، أو شريحةً لا يوجد لها بديل، أو معرفةً فنية تنتهي عند باب الشركة التي باعتك المنتج، ولذا فإن السيادة التقنية ليست عزلةً عن العالم، بل ألّا يتحول اتصالك بالعالم إلى مفتاح يستطيع غيرك إغلاقه.

لهذا المعنى أصل في تجربتنا التاريخية؛ ففي عام الرمادة، حين اشتد القحط، لم ينتظر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يأتي الفرج من جهة واحدة، بل استمد العون من أمراء الأمصار، وحرّك الإمداد من الجهات المتاحة، فالتحوّط لم يكن خوفاً بل مسؤولية، وتعدد موارد النجدة لم يكن ترفاً بل إدارةً للأزمة. وحتى الشراكات الدولية تصبح أكثر قوة عندما تتعدد؛ لأن الشريك الذي يعرف أنك لا تملك غيره يفاوضك بطريقة مختلفة عن الشريك الذي يعرف أنك اخترته من بين بدائل، والفرق ليس في المجاملة الدبلوماسية بل في توزيع القوة داخل غرفة التفاوض. لهذا لا ينبغي فهم انفتاح السعودية على قوى وأسواق ومراكز اقتصادية متعددة باعتباره تردداً في الاتجاه، بل وضوحاً شديداً فيه؛ الاتجاه هو المصلحة السعودية، والطرق المؤدية إليها لا ضرورة لأن تكون طريقاً واحداً، فالعلاقة مع الشرق لا تستوجب خصومةً مع الغرب، والشراكة مع الغرب لا تستوجب إغلاق أبواب الشرق، والدولة الواثقة لا تجعل صداقاتها أقفاصاً بل تجعلها جسوراً. وهنا تظهر العلاقة العميقة بين التنويع الاقتصادي واستقلال القرار؛ رؤية السعودية 2030 لا تعيد تركيب الاقتصاد فقط، بل توسّع قاعدة الخيارات التي يقف عليها القرار الوطني؛ فكل قطاع جديد، وكل صناعة محلية، وكل استثمار نوعي، وكل منفذ لوجستي، وكل معرفة يتم توطينها لا تضيف رقماً إلى الناتج المحلي وحسب، بل تنتزع مقبضاً محتملاً من يد الخارج. الدولة الذكية لا تنتظر حتى يبدأ الضغط كي تبحث عن البديل، لأن البديل الذي يُصنع تحت الضغط يكون غالباً أغلى، وأبطأ، وأقل جودة؛ بل تفتح المنفذ الثاني بينما الأول ما يزال مفتوحاً، وتبني القدرة قبل أن تحتاج إليها، وتوزّع مصالحها قبل أن يحاول أحد تجميعها في يدِه. ويختصر المعنى قولٌ مأثور: «اعقلها وتوكل»؛ الثقة لا تلغي الأخذ بالأسباب، والعلاقة الوثيقة لا تلغي البديل، والاطمئنان إلى الطريق لا يعفيك من معرفة الطريق الآخر. وبالتالي فإن فائض الخيارات ليس ترفاً في السياسة، بل أحد أشكال القوة؛ فمن يملك بديلاً لا يُحاصر بسهولة، ومن يملك قدرته لا تُفرض عليه الشروط بالطريقة نفسها، ومن يستطيع اختيار شركائه لا يستطيع شركاؤه اختيار موقفه نيابةً عنه. هذه هي المعادلة التي تتشكل أمامنا؛ السعودية لا تبني اقتصاداً أكبر فقط، بل تبني قراراً أصعب على الابتزاز؛ القوة ليست أن تمنع الآخرين من مدّ أيديهم نحو قرارك، بل أن يبحثوا طويلاً عن المقبض ولا يجدوه.

صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *