أول دفعة من مواليد زمن الجائحة تطرق أبواب المدرسة.. جيل كورونا يخطو نحو الفصل الدراسي الأول

تستعد مدارس المملكة العربية السعودية لفتح أبوابها صباح الأحد القادم، إيذانًا ببدء العام الدراسي الجديد 1448هـ، في مشهد يحمل دلالة استثنائية. للمرة الأولى في تاريخ التعليم السعودي، تخطو مجموعة من الأطفال الذين جاؤوا إلى العالم في ذروة جائحة كورونا نحو الصف الأول الابتدائي. هؤلاء الصغار، الذين وُلدوا في عام 2020 حين كان العالم يعيش تحت إغلاقات محكمة وأقنعة وتباعد اجتماعي، يحملون اليوم حقائبهم المدرسية متجهين إلى فصولهم الأولى، حاملين معهم أحلام آبائهم الذين استقبلوهم في أحلك الظروف التي شهدها العصر الحديث.
وزارة التعليم أوضحت أن الفئات العمرية المقبولة للتسجيل في الصف الأول الابتدائي لهذا العام تشمل الأطفال الذين أتموا ست سنوات مع أول أيام الدراسة، وهم من مواليد 24 أغسطس 2020 أو ما قبله، مع استثناء يسمح بقبول من ولدوا حتى 22 نوفمبر 2020 بشرط إتمام سنة كاملة في رياض الأطفال.
أرقام في زمن العزل
في خضم الجائحة خلال 2020، سجلت المملكة ما يقارب 557 ألفًا و593 مولودًا حيًا، حسب إحصاءات دول مجلس التعاون الخليجي الصادرة عن مركز الإحصاءات والتوثيق. هؤلاء الأطفال رأوا النور في مستشفيات كانت تخضع لتعقيم متواصل، وأمهات واجهن إجراءات احترازية صارمة أثناء الوضع، وآباء مُنعوا من مرافقتهن خلف أبواب موصدة.
كيف نشأ جيل الجائحة؟
الدراسات العلمية بدأت في رسم ملامح أطفال ما يُعرف بـ”جيل الجائحة”، وهو المصطلح الذي استخدمه الباحثون للإشارة إلى من قضوا شهورهم الأولى في عزلة اجتماعية شبه كاملة. في بريطانيا، تتابع دراسة «بي.آي.سي.واي.سي.إل.إي» (BICYCLE) التي تجريها جامعة سيتي سانت جورج في لندن تأثير الإغلاقات على الأطفال الذين وُلدوا بين مارس ويونيو 2020. النتائج الأولية التي صدرت عام 2025 أشارت إلى أن هؤلاء الأطفال الذين كانوا رُضّعًا أثناء الجائحة يمتلكون رصيدًا لغويًا أقل، ويواجهون صعوبات أكبر في مهارات التفكير العليا مقارنة بأقرانهم الذين ولدوا قبل الجائحة أو بعدها. وتشرح البروفيسورة لوسي هنري، الباحثة المشاركة في الدراسة، أن هؤلاء الأطفال حُرموا من فرص اجتماعية أساسية في شهورهم الأولى، كرؤية وجوه مختلفة، وسماع أصوات متعددة، والتفاعل في الأماكن العامة، وهي عناصر حاسمة لنمو التواصل الاجتماعي.
حذر جسدي وفرط تحفيز
ريبيكا أندروود، معلمة مرحلة ما قبل المدرسة في كاليفورنيا، لاحظت أن أطفال دفعة 2025 يظهرون سلوكًا مختلفًا. الأطفال بين الخامسة والسادسة من العمر باتوا أكثر حذرًا جسديًا من نظرائهم قبل الجائحة؛ فكثير منهم لا يستطيعون التدحرج أو القفز على القدمين معًا، ويترددون في التسلق. وتعتقد أندروود أن ذلك مرتبط بقلة الاستكشاف في الهواء الطلق خلال سنواتهم الأولى، إذ كان معظمهم رُضّعًا حين ضربت الجائحة. ومع ذلك، ترى المعلمة أن الصورة ليست قاتمة تمامًا، فهؤلاء الأطفال أصبحوا أكثر جرأة الآن، يقفزون ويلعبون ويستمتعون بالموسيقى، في تعافٍ تدريجي وإن ظل التطور الاجتماعي والعاطفي معقدًا. وبعد عودة المدارس في 2021، رصدت أندروود وزملاؤها ظاهرة جديدة: الأطفال أكثر عرضة للإرهاق الحسي. المدرسة التي تعمل فيها اضطرت لتعليق حصص الموسيقى لمدة عامين كاملين، لأن الأصوات المرتفعة كانت تسبب ارتباكًا شديدًا للأطفال. نصف الصف كان يخرج إلى الخارج بسبب فرط التحفيز، فالطفل الذي لم يختبر بيئات صاخبة كالملاعب أو فرق الموسيقى في سنواته الأولى يجد صعوبة في التكيف مع هذه الأجواء.
تحذير البنك الدولي من جيل مهدد
في فبراير 2023، أصدر البنك الدولي تقريرًا بعنوان «الانهيار والتعافي: كيف قلّصت جائحة فيروس كورونا رأس المال البشري»، حذر فيه من أن الجائحة ألحقت ضررًا بالنمو الإدراكي والمعرفي للأطفال والشباب، مما يعرض رفاه الأجيال ونمو الاقتصاد للخطر. التقرير كشف أن الأطفال في سن ما قبل المدرسة فقدوا أكثر من 34% من المعرفة المبكرة باللغة ومبادئ القراءة والكتابة، وأكثر من 29% من التعلم في الرياضيات مقارنة بمن سبقهم قبل الجائحة. أما الأطفال في سن المدرسة، فخلص التقرير إلى أنهم فقدوا في المتوسط نحو 32 يومًا من التعلم مقابل كل 30 يومًا من إغلاق المدارس، لأن الإغلاقات ووسائل التعلم عن بعد غير الفعالة أدت إلى انقطاعهم عن التعلم ونسيان ما تعلموه.
آثار نفسية ونضج عاطفي غير متوقع
دراسات متعددة أظهرت ارتفاع مستويات القلق والاكتئاب والتهيج بين الأطفال والمراهقين، إلى جانب مشاكل سلوكية وصعوبات في الاستقلالية والانفصال عن الوالدين حتى بعد إعادة فتح المدارس. الأخصائية الاجتماعية تاندي باركس في لوس أنجلوس أكدت أن بعض الأطفال بين 4 و7 سنوات يظهرون سلوكيات تشبه سلوكيات أطفال أصغر سنًا بكثير، سواء في الاستقلالية أو في مراحل نمو أساسية كالتدريب على استخدام المرحاض. في المقابل، كشفت دراسة من جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس جانبًا إيجابيًا: مهارات النضج العاطفي لدى الأطفال تحسنت خلال الجائحة، على عكس مهارات اللغة والتواصل. الباحثة جوديث بيريغو تفسر ذلك بتعرض الأطفال لموضوعات كبيرة ومعقدة كالمرض والموت والأزمات، مما دفعهم لاكتساب نضج عاطفي أكبر.
أدمغة تتقدم في العمر بسرعة أكبر
في سبتمبر 2024، نشرت دورية «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم» دراسة تشير إلى أن جائحة كوفيد-19 تسببت في تقدّم عمر أدمغة بعض المراهقين بشكل أسرع مما هو معتاد، بمعدل 4.2 سنوات أسرع لدى الفتيات و1.4 سنة أسرع لدى الفتيان في المتوسط. المناطق التي شهدت أكبر تسارع في ترقق الدماغ بين الفتيات ترتبط بالوظائف الإدراكية الاجتماعية، مثل التعرف على الوجوه ومعالجة التجارب الاجتماعية والعاطفية والقدرة على التعاطف.
غداً تنطلق الدراسة في المملكة
غدًا الأحد، يدخل هؤلاء الأطفال فصولهم الدراسية الأولى في مختلف مناطق المملكة، على أن تبدأ الدراسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة والطائف يوم 30 أغسطس 2026، مراعاة للترتيبات التنظيمية المرتبطة بموسم الحج والعمرة. ويظل السؤال مفتوحًا: هل ستكون المدرسة السعودية ـ بمناهجها الجديدة وبرامجها الداعمة ـ قادرة على تعويض ما فات هذا الجيل من فرص اجتماعية ونفسية ومعرفية في شهورهم الأولى؟ أم أن آثار العزل سترافق هؤلاء الأطفال لسنوات وعقود قادمة؟ الإجابة لن تأتي من الدراسات وحدها، بل من داخل الفصل الدراسي ذاته، حين يقف معلم لأول مرة وجهًا لوجه أمام جيل لم يختر أن يولد في عالم مقفل.
صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة



