أزمة السيولة في غزة.. أموال يرفضها التجار وتتحول إلى شيكل خامل

السيولة النقدية المتدهورة
في أحد أحياء خان يونس بجنوب غزة، يشاهد موسى شيخ العيد (21 عاماً) وهو يمسك بأوراق نقدية بالية وقديمة لم تعد تقبلها الأسواق كقيمة اسمية، بعد أن بدأ كثير من التجار يرفضون التعامل بها. يقول موسى إن والده، الموظف في وزارة الصحة بمجمع ناصر الطبي، يحصل على نحو 1000 شيكل ما يعادل قرابة 300 دولار كل سبعين إلى ثمانين يوماً، لكن الأسرة تواجه صعوبة متزايدة في استخدام هذا المبلغ لتأمين احتياجاتها اليومية. ويعتمد أفراد عائلته العشرة، الذين نزحوا من منطقة الشوكة في رفح إلى خان يونس، في جزء من احتياجاتهم على مساعدات يقدمها أقارب ومعارف، بعدما أصبحت الأوراق النقدية القديمة والمهترئة عبئاً إضافياً. وأضاف موسى لسكاي نيوز عربية: “حاول تدبير أمورنا بما يتوافر لدينا” في إشارة إلى محاولات أسرته تدبير الطعام والشراب بما يتوافر لديها من نقود ومساعدات.
التحول نحو الدفع الإلكتروني
تظهر المشكلة ليس فقط لدى الأسر التي تعتمد على الرواتب، بل تمتد إلى التجار الذين وجدوا أنفسهم أمام كميات كبيرة من الأوراق النقدية التي يصعب تصريفها. يعمل خضر غازي بربخ (52 عاماً) في بيع الملابس بخان يونس، ويشير إلى أن بعض الزبائن يدفعون نقداً، لكن جزءاً من الأوراق التي تصل إليه، خصوصاً الفئات القديمة والمتهالكة، لا يجد من يقبلها. ويقدّر بربخ قيمة الأموال التي يحتفظ بها في منزله ومتجره بنحو 60 إلى 70 ألف شيكل، بعد أن اضطر إلى تخزينها بانتظار حل يسمح باستبدالها أو إعادتها إلى التداول. ويذكر لسكاي نيوز عربية أن أحد التجار قبل منه ذات مرة أربعة آلاف شيكل من فئة العشرين شيكلا، بينما بقيت لديه كميات أخرى لا يستطيع تصريفها. وبالنسبة لبربخ، لم تعد المسألة مجرد صعوبة في البيع والشراء، بل تحولت إلى معضلة يومية تواجه المواطنين الذين يحتاجون إلى النقد لشراء الطعام أو الدواء. ويحكى عن امرأة كانت بحاجة إلى شراء دواء، لكنها واجهت طلب عمولة بلغت cuarenta بالمئة مقابل تبديل نقودها؛ فاستبدل لها بربخ مئتي شيكل من دون مقابل بعد أن أخبرته بأنها لا تستطيع تحمل قيمة العمولة.
أزمة الثقة في العملة
يعمل بدر زياد أبو عنزة (27 عاماً) في بيع الأحذية، ويلاحظ أن السوق أصبح يعتمد بصورة أكبر على الدفع الإلكتروني، بينما يواجه حاملو الأوراق القديمة صعوبة في استخدامها. ويوضح أن بعض الزبائن يحاولون شراء احتياجاتهم بأوراق نقدية متهالكة، لكن التجار الذين يقبلونها يواجهون المشكلة نفسها عندما يحاولون استخدامها لدى تجار آخرين. ويضيف أن التجار الكبار يفضلون الاحتفاظ بأموالهم في الحسابات الإلكترونية، بينما تبقى الأوراق القديمة عالقة في أيدي المواطنين وصغار التجار. وتتزامن أزمة النقد مع ارتفاع كبير في أسعار بعض السلع؛ يضرب أبو عنزة مثالاً بالحذاء المنزلي الذي كان يُباع قبل الحرب بنحو 35 شيكلاً، بينما يتراوح سعره حالياً بين 80 و90 شيكلاً. ويربط ذلك بارتفاع الطلب على السلع بعد فقد كثير من سكان غزة ممتلكاتهم، لكن قدرتهم على الشراء تراجعت بفعل ارتفاع الأسعار وتعقيدات التعامل بالنقود. ويصف المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر ما يحدث بأنه أزمة ثقة في النقد، موضحاً أن قيمة العملة لا ترتبط فقط بالرقم المطبوع عليها، بل بقدرة حاملها على استخدامها في شراء السلع والخدمات. ويضيف لسكاي نيوز عربية: “الورقة النقدية التي لا تجد من يقبلها تفقد عملياً وظيفتها باعتبارها وسيلة للتبادل، حتى لو ظلت قيمتها الاسمية مطبوعة عليها.” ويرى أن رفض بعض الفئات النقدية القديمة والمهترئة استنزف مدخرات المواطنين، إذ قد يضطر صاحب الورقة إلى بيعها بأقل من قيمتها الاسمية لتحويلها إلى نقود قابلة للاستخدام. كما يشير إلى نقص العملات النقدية الصغيرة، أو ما يُعرف بـ”الفكة”، ورفض بعض الفئات الورقية إلى تعطيل معاملات البيع والشراء وتعميق الركود في الأسواق. وبحسب أبو قمر، تحولت كميات كبيرة من الأموال إلى “شيكل خامل” متراكم في المنازل والمتاجر بعدما فقد أصحابه القدرة على تصريفه. ويربط الأزمة بمسار أوسع نحو تقليص استخدام النقد والتوسع في الدفع الإلكتروني، محذراً من أن التحول السريع إلى الدفع الإلكتروني وسط الحرب والأزمة الاقتصادية قد يفاقم معاناة الفئات التي لا تستطيع الوصول بصورة منتظمة إلى الخدمات المصرفية أو التكنولوجيا، وأن تعطل الدور التقليدي للقطاع المصرفي وزيادة اعتماد المواطنين والتجار على حلول بديلة أسهما في اضطراب حركة النقد. وبينما تنتظر عائلة موسى حلاً يتيح لها استخدام ما تبقى من راتب والده، يحتفظ بربخ بعشرات الآلاف من الشواكل في منزله ومتجره، ويواصل أبو عنزة البيع وسط سوق يعاني نقص السيولة القابلة للاستخدام. وفي غزة، لم تعد المشكلة تقتصر على وجود المال أو غيابه، بل باتت مرتبطة بسؤال أكثر إلحاحاً: هل يستطيع صاحبه استخدامه عندما يحتاج إليه؟
صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة



