«همزة».. من اختبار محلي إلى معيار عالمي في قياس الكفاية اللغوية

الرياض – الوئام
لا تُبنى المكانة العالمية للغات على عدد الناطقين بها أو ثراء تراثها الثقافي فقط، بل تقوم أيضاً على منظومة متكاملة من المؤسسات والمعايير والأدوات الأكاديمية التي تضمن حضورها في الجامعات وبرامج التعليم والبحث العلمي. ولهذا، لم تعد اختبارات الكفاية اللغوية مجرد وسائل لقياس مستوى المتعلمين، بل أصبحت جزءاً من البنية التي تمنح اللغات حضوراً دولياً وثقة أكاديمية.
من اختبار محلي إلى أداة معيارية
في هذا السياق، لا يبدو اختبار «همزة» الذي أطلقه مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية مجرد اختبار لغوي يماثل اختبارات مثل «التوفل» و«الآيلتس»، بل هو أحد الأدوات التي تسهم في ترسيخ المكانة الأكاديمية للغة العربية ضمن منظومة تعليم اللغات عالمياً. فمن الجامعات السعودية والملتقيات والندوات المحلية انطلق «همزة»، قبل أن يشق طريقه إلى المؤتمرات الدولية وكبرى الجامعات في الخارج، ثم إلى المؤسسات المهنية المتخصصة في اختبارات اللغات؛ في مسار يعكس تطور المشروع من تطبيق محلي إلى حضور دولي.
من اختبار إلى معيار
حين تتوسع الجامعات في استقبال متعلمي اللغة العربية من شتى دول العالم، يصبح السؤال أكثر تعقيداً من مجرد تعليم اللغة: كيف يمكن قياس الكفاية اللغوية بمعيار موحد يحقق العدالة، ويمنح المؤسسات الأكاديمية نتائج يمكن الوثوق بها؟ هذا السؤال كان نقطة الانطلاق في تطوير «همزة». فلم يكن الهدف إنتاج اختبار جديد يُضاف إلى قائمة الاختبارات، بل بناء أداة معيارية تستند إلى أسس علمية، وتلبي حاجات الجامعات والمعاهد ومراكز تعليم اللغة العربية، وتمنحها مرجعاً موثوقاً لتقييم الكفاية اللغوية لدى الناطقين بغير العربية.
وعمل مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية على تطوير الاختبار منذ انطلاقته مستنداً إلى دراسات علمية، ومقابلات شبه منظمة مع خبراء اللغة العربية ومتخصصين في القياس والتقويم ومطوري الاختبارات، وصولاً إلى اختبار يحقق أعلى معايير الجودة للمحافظة على الخصائص اللغوية والثقافية للعربية. ويمثل اختبار «همزة» عدة اختبارات، منها: «اختبار أكاديمي، واختبار عام، واختبار لتحديد مستوى، واختبارات لأغراض خاصة». إثر ذلك، أُطلق «همزة» رسمياً في شهر ديسمبر 2023م؛ ليبدأ تطبيق «الاختبار الأكاديمي» في 17 مقراً للجامعات السعودية داخل 15 مدينة، حتى أصبح اختبار «همزة الأكاديمي» متطلباً لكل طالب دولي يسعى إلى الحصول على منحة تعليمية في منصة «ادرس في السعودية». وعلى المستوى الدولي، تجاوز عدد المختبَرين في اختبار «همزة» بجميع فئاته أكثر من 25 ألفاً من 146 جنسية، ونُفّذ حضوريًا في 16 دولة، منها: الولايات المتحدة الأمريكية، وجمهورية جنوب إفريقيا، وجمهورية إندونيسيا، وجمهورية الهند، وجمهورية أوزبكستان، ومملكة تايلاند، وجمهورية ماليزيا، والبوسنة والهرسك، وجمهورية إيطاليا، وجمهورية الصين الشعبية.
حضور دولي في المحافل المتخصصة
وبهذه الأرقام، أصبح «همزة» جزءاً من الحوار العلمي العالمي في القياس اللغوي، ومعه تجاوز مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية مجرد الحضور المؤسسي في المؤتمرات الدولية إلى نقل التجربة السعودية من مرحلة التطبيق إلى مرحلة الإسهام في تطوير المعرفة المتخصصة.
وجاءت أولى هذه المحطات الدولية في مدينة برشلونة الإسبانية أثناء المؤتمر المتخصص في الإطار الأوروبي المرجعي المشترك للغات «CEFR»، الذي شارك فيه خبراء ومؤسسات أكاديمية معنية بتعليم اللغات وتقييمها. وفي المؤتمر، استعرض المجمع تجربة بناء «همزة» وفق معايير الإطار الأوروبي المرجعي المشترك للغات، موضحاً كيفية مواءمة هذه المعايير مع الخصائص اللغوية للعربية، والتحديات المنهجية المرتبطة بتطوير اختبار يوازن بين المعايير الدولية وطبيعة اللغة العربية.
وتواصل هذا الحضور الدولي في المؤتمر السنوي للرابطة الأوروبية للاختبارات اللغوية والتقييم «EALTA» المنعقد في النمسا، ثم في المؤتمر الدولي الثالث عن طرق تعليم وتدريس اللغة العربية «CIDELA» المنعقد في العاصمة الإسبانية مدريد. وشارك المجمع بورقتين علميتين في المؤتمر الدولي التاسع لـ«ALTE» المنعقد في ميونخ الألمانية. ومؤخراً، شارك المجمع في «المؤتمر الدولي للتقييم الإلكتروني 2026م» في المملكة المتحدة – أحد أبرز المحافل العالمية المتخصصة في الابتكار بالاختبارات الرقمية -، ويُعدّ راعياً للجلسة الحوارية للمؤسسات الوطنية المعنية بالاختبارات والتقويم، وممثلاً باختبار «همزة الأكاديمي»، وقدّم ورقة علمية بعنوان: «اختبارات الكفاية الأكاديمية في اللغة العربية في التعليم العالي: الموازنة بين المعايير والعدالة والتعلّم»، ناقشت بناء اختبارات تحقق التوازن بين جودة القياس وعدالة التقييم ودعم عملية التعلّم.
عضوية دولية ومستقبل واعد
ويُعد انضمام «همزة» إلى عضوية المنظمة الأوروبية لاعتماد اختبارات اللغة «ALTE» عام 2025م إحدى المحطات المفصلية في مسيرته؛ إذ لم يعد حضوره مقتصراً على المشاركة في المؤتمرات الدولية، بل أصبح جزءاً من إحدى أبرز الشبكات المهنية المتخصصة في اختبارات اللغات ومعاييرها، على نحو يعزز حضور اللغة العربية داخل المنظومة الدولية للقياس اللغوي.
ويمكن القول اليوم إن «همزة» يمثل جزءاً من مشروع أوسع لبناء البنية المؤسسية للغة العربية، فلا تمثل المشاركة في المؤتمرات الدولية، ولا الانضمام إلى عضوية المنظمة الأوروبية لاعتماد اختبارات اللغة «ALTE»، غايةً بحد ذاتهما، وإنما يعكسان انتقال العربية من مرحلة التعريف بقدراتها إلى مرحلة الإسهام في إنتاج الأدوات التي تقوم عليها منظومة تعليم اللغات وقياسها عالمياً.
ولهذا، فإن القيمة الحقيقية لـ«همزة» لا تكمن في كونه اختباراً، بل في كونه شاهداً على أن العربية أصبحت تبني لنفسها مكاناً داخل المنظومة الدولية للقياس اللغوي جنباً إلى جنب مع اللغات التي رسخت حضورها بمؤسساتها ومعاييرها وأدواتها الأكاديمية. فاللغات لا تكتسب مكانتها العالمية لأنها تُدرس فقط، بل لأنها تمتلك المعايير والاختبارات والبيانات والمؤسسات التي تمنحها الثقة والاستدامة.
صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة



