أزمة خطة الاستثمار الضخمة تهز أركان الفيفا وإنفانتينو يعتذر عن الأخطاء

عُقد اجتماع طارئ في مكتب الاتحاد الأفريقي بالرباط، الأربعاء الماضي، جمع رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو مع كبار مسؤولي الفيفا. وبعد انتهاء الاجتماع بأربع ساعات، أصدرت المنظمة بياناً أكدت فيه بقاء رئيسها في منصبه، وقدمت اعتذاراً عن “الأخطاء” التي رافقت مشروع “فيفا فورورد إنتربرايز” الملغى. كما وقع إنفانتينو والأمين العام ماتياس غرافستروم رسالة اعتذار موجهة إلى نواب الرئيس ومجلس الفيفا والاتحادات الأعضاء البالغ عددها 211 اتحاداً.
اجتماع طارئ في الرباط.. ساعة الحسم
استدعى الاجتماع الذي عُقد الأربعاء أعضاء مجلس الإدارة إلى مقر الفيفا في أفريقيا داخل مجمع محمد السادس لكرة القدم في مدينة سلا قرب الرباط، بحضور كل من غرافستروم والمدير القانوني إميليو غارسيا سيلفيرو. وبعد مرور أربع ساعات على انتهاء اللقاء، أصدر الفيفا بياناً أقر فيه بأن “الأخطاء” المتعلقة بمشروع “فيفا فورورد إنتربرايز” جرى الاعتراف بها، وأن إبعاد مجلس الفيفا والاتحادات الأعضاء عن العملية جاء دون قصد، معترفاً بأن طريقة التعامل مع الملف “كان ينبغي أن تكون مختلفة”.
وأضاف البيان أن المنظمة “لن تتسامح بعد الآن مع أي اعتداءات على نزاهتها وحوكمتها الرشيدة وإجراءاتها القانونية، وستتخذ جميع التدابير اللازمة لحماية اسمها وسمعتها”، مؤكداً أن تنفيذ الإجراءات جاء متوافقاً تماماً مع الإطار التنظيمي للفيفا، وأن نتائج الاجتماع ستعزز الحوكمة وتعيد الثقة في المنظمة.
كواليس الخطة المثيرة للجدل
بدأت القصة قبل أسبوع من اجتماع الرباط؛ ففي 28 يوليو، كشفت صحيفة التايمز و”فايننشال تايمز” عن خطط الفيفا لتأسيس شركة تابعة باسم “فيفا فورورد إنتربرايز” تتولى إدارة الحقوق التجارية والتشغيلية لبطولات الاتحاد الدولي، وفي مقدمتها كأس العالم للرجال والسيدات وكأس العالم للأندية، مع إتاحة بيع نحو 20% من حصصها لمستثمرين من القطاع الخاص، بتقييم إجمالي يبلغ 20 مليار دولار، وبهدف جمع نحو 4.2 مليار دولار.
واجه المشروع تدقيقاً مضاعفاً بعد أن رصدت التقارير أن المستثمر المرساة فيه شركة “ترايف إترنال” التابعة لجوشوا كوشنر، شقيق جاريد كوشنر صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وعرض إنفانتينو على الاتحادات الـ211 مبلغ 40 مليون دولار لكل اتحاد، بدفعة أولى قيمتها 20 مليوناً، لمن يدعم المقترح قبل 19 سبتمبر، من حزمة تمويل بقيمة 10 مليارات دولار، وهو العرض الذي وصفه النقاد بأنه رشوة وابتزاز وبيع للعبة.
الانهيار خلال سبعة أيام
دافع إنفانتينو عن خطته في تسجيل مصور وصفها فيه بأنها “فرصة ذهبية لتسريع وتيرة تطوير كرة القدم على مستوى العالم”، وقال إن العرض “جزء من عملية ديمقراطية” يستلزم موافقة أغلبية الأعضاء. ورد الاتحاد الأوروبي لكرة القدم “يويفا” في 30 يوليو بتصويت الاتحادات الـ55 بالإجماع على مقاطعة مسابقات الفيفا كلها إن مضت الخطة، تحت شعار “كأس العالم ليست للبيع”.
وبحلول السبت 1 أغسطس، سحب إنفانتينو المقترح نهائياً بعد موجة غضب عالمية، لكن السحب افتتح أزمة أعمق؛ إذ أعلن يويفا فقدان الثقة في القيادة، ودرس اتخاذ إجراءات قانونية، وأرسل محاموه من نيويورك رسالة إلى 18 مسؤولاً في الفيفا تطالبهم بالاحتفاظ بجميع الوثائق بوصفها أدلة محتملة.
ردود فعل القارات والاتحادات
أفرزت الأزمة خريطة مواقف متباينة؛ فبينما صعّدت أوروبا موقفها، إذ سحبت الاتحادات الويلزية والفنلندية والسويدية والصربية رسائل التأييد، وبرز الاتحاد الإنجليزي مرشحاً للانضمام إليها بعد مطالبته بمراجعة شاملة، ووصف الاتحاد الهولندي الوضع بأنه انهيار ثقة، ودعا الألماني بيرند نيوندورف إلى تحقيق شامل في تصرفات وصفها بأنها أحادية غير شفافة. في المقابل، تنفست الاتحادات العربية والآسيوية والأفريقية الصعداء ورأت في سحب المقترح انتصاراً لوحدة أسرة كرة القدم.
وأعلن الاتحاد القطري أن الأولوية تبقى لوحدة الاتحادات، ورأى الاتحاد المصري برئاسة هاني أبو ريدة أن القرار يجسد نهجاً يقوم على الحوار واحترام وجهات النظر، بينما لم يحسم الاتحاد الأفريقي موقفه بعد، ورحب فوزي لقجع رئيس الجامعة الملكية المغربية بالقرار مذكّراً بإنجازات برامج تطوير الفيفا في القارة. وفي مقابل الدعم العلني من المغرب وقطر والإمارات والكويت ولبنان وسريلانكا وإندونيسيا والفلبين، طالب البرتغالي لويس فيجو باستقالة إنفانتينو، ودعا السويسري جوزيف بلاتر إلى انتخاب النرويجية ليز كلافينيس رئيسة جديدة للاتحاد الدولي.
أصوات من داخل الفيفا
أخطر ما في الأزمة أن الانتقادات جاءت من داخل مؤسسة الفيفا ذاتها؛ فكتب الأمين العام ماتياس غرافستروم، الرجل الثاني في الاتحاد بعد إنفانتينو، رسالة داخلية إلى الموظفين وصف فيها ما جرى بأنه “سلسلة مؤسفة ومشينة من الأحداث” التي انتهت بإلغاء المشروع نهائياً، وقال إن الأزمة ألقت بالجميع في دوامة يصعب فهمها وقبولها، وإن المؤسسة ستحمي موظفيها وتصونهم من السياق السياسي المحيط، مضيفاً أن “الأفراد واللحظات المتقلبة والحلقات المؤسفة تأتي وتذهب، أما المؤسسة ورسالتها ومسؤوليتها تجاه كرة القدم العالمية فتبقى”.
كما أصدر الفرنسي أرسين فينغر، مدير تطوير كرة القدم العالمية، بياناً قال فيه إنه علم بالمشروع عبر وسائل الإعلام وإنه لم يشارك في إعداده، ووصف قرار سحبه بأنه “ضروري تماماً ولا جدال فيه”، معبراً عن إيمانه “بفيفا مستقلة تخدم لعبتنا بالالتزام والشفافية والنزاهة”. وسبقهما رئيس العمليات كيفن لامور الذي قال إن الموظفين وقعوا ضحية خداع وإن المشروع “مشروع شخص واحد”، فيما استقال المستشار الخاص كارلوس كورديرو واصفاً الصفقة بأنها “صفقة سيئة لكرة القدم”.
وفي قلب المعركة الآسيوية، اتهم الأمير علي بن الحسين رئيس الاتحاد الأردني الفيفا بممارسة “الابتزاز”، وقال إنه تلقى إشارة شفهية خلال كأس العالم تفيد بأن تأييده لإعادة انتخاب إنفانتينو قد يقطع شوطاً طويلاً في مساعدة الاتحاد الأردني على استرداد مستحقاته المالية وملفات مشجعيه، مضيفاً أن “المشكلة الحقيقية تكمن في القيادة” وأن الاتحاد الأردني “يرفض الاستسلام للابتزاز”. وطبقاً لوكالة الصحافة البريطانية، يعمل أعضاء في مجلس الفيفا لتأمين أغلبية 19 صوتاً لطلب عقد اجتماع يحاسب إنفانتينو على خطته وتعاملاته مع قضية اللاعب فولارين بالوغون، مع احتمال اللجوء إلى “مقاطعة حوكمة” تشل عمل الاتحاد الدولي إذا رفض الرئيس الطلب.
المشهد المقبل.. ثلاثة مسارات
على المستوى العالمي، يتحرك الملف في ثلاثة مسارات متوازية؛ مسار قانوني يلوح فيه يويفا بإجراءات قد تصل إلى القضاء، ومسار حوكمي يسعى فيه أعضاء مجلس الفيفا إلى عقد جلسة مساءلة للرئيس، ومسار انتخابي تستعد فيه الفيفا لانتخابات الرئاسة المقررة في مارس 2027 في الرباط، مع بقاء إنفانتينو المرشح الأبرز في غياب منافس رسمي. وفي مسار موازٍ، نفى الفيفا مزاعم تتحدث عن وعود من إنفانتينو بشأن استضافة نهائي كأس العالم 2030، مؤكداً أن القرار سيُتخذ في الوقت المناسب. ووعد بيان الرباط بإجراء مراجعة تُقدَّم نتائجها إلى مجلس الفيفا في اجتماعه المقبل، وهو ما قد يفتح باب إصلاحات تمنع تكرار سيناريو خطة طُرحت دون مشاورة وانهارت خلال أيام.
وتبقى اللحظة الأهم معلقة على ما ستسفر عنه مراجعة الرباط والاجتماع المقبل لمجلس الفيفا؛ فبينما يبدو إنفانتينو متمسكاً بمنصبه حتى انتخابات مارس 2027، يبقى السؤال مفتوحاً أمام جماهير اللعبة في العالم: هل تخرج كرة القدم من هذه العاصفة بهيكل حوكمة أكثر نزاهة وشفافية، أم تبقى رهينة قرارات تتخذ خلف الأبواب المغلقة؟
صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة



