السعودية توازن بين غصن الزيتون وسيف الردع في سياستها الإقليمية

أساس النهج السعودي
في السياسة، لا تُقاس قوة الدولة بكمية استخدامها للقوة، بل بمدى قدرتها على ضبطها وتوجيهها في اللحظة المناسبة. ومن هذا المنطلق يمكن قراءة النهج السعودي، الذي لم يبني مكانته على تصعيد الخطاب، بل على مزيج من الحكمة والقدرة على الردع، إلى جانب الدبلوماسية والاستعداد العسكري، وهي تركيبة يصعب تحقيقها في منطقة تعيش على إيقاع الأزمات.
المملكة العربية السعودية جعلت التنمية مشروعها الأكبر، واعتبرت الاستقرار شرطًا أساسيًا لتحقيقه. لذلك، فإن السلام ليس مجرد خيار تكتيكي لديها، بل مصلحة وطنية وإقليمية. ومع ذلك، فإن الاعتقاد بالسلام لا يعني التغاضي عن مصادر التهديد أو السكوت عن الاعتداء على السيادة أو أمن المواطنين أو مقدرات الدولة.
ضبط النفس والردع المحدود
خلال السنوات الماضية، قدمت المملكة نموذجًا واضحًا لهذا التوازن؛ فقد مارست أعلى درجات ضبط النفس إزاء الهجمات التي نفذتها الميليشيات المدعومة من إيران في اليمن والعراق، واستنفدت القنوات السياسية والدبلوماسية قبل اللجوء إلى ردود عسكرية محدودة استهدفت مصادر التهديد، ضمن حقها المشروع في الدفاع عن النفس وبما يتماشى مع قواعد القانون الدولي. كان الهدف الأساسي هو ردع المعتدي، وليس توسيع دائرة الصراع، وحماية الأمن دون خلق صراع جديد.
الاتصال مع الولايات المتحدة ودعم الحوار
وبينما تحتفظ السعودية بحقها الكامل في الرد على أي اعتداء إيراني يستهدفها أو يستهدف دول مجلس التعاون الخليجي، فإنها تدرك أن الانجرار إلى مواجهة إقليمية واسعة قد يحقق أهدافًا تسعى إليها طهران أكثر مما يحقق مصالح المنطقة. لذلك، فإن الحكمة السعودية لم تكن ترددًا، بل قراءة استراتيجية تميز بين ردع الخطر وبين الوقوع في الفخ الذي يعده الخصم. وفي هذا السياق، جاء الاتصال الهاتفي بين سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والرئيس الأمريكي دونالد ترامب في لحظة بالغة الحساسية، مع تصاعد الحديث عن احتمال توجيه ضربات أمريكية واسعة لإيران. أكد سمو ولي العهد على أهمية تغليب الحوار، وخفض التصعيد، وإعطاء الدبلوماسية فرصة حقيقية قبل الانزلاق إلى مواجهة ستكون آثارها على المنطقة والعالم أكبر من حدود أطرافها.
هذا الموقف لا يعكس حيادًا ولا ضعفًا، بل ثباتًا في المبادئ. فالسعودية لا تحمل عداءً لإيران كشعب أو دولة، بل تعترض على السياسات التي تهدد أمن المنطقة واستقرارها. ومن ثم ترفض الحرب عندما يكون بالإمكان تجنبها، لكنها لا تتردد في الدفاع عن أمنها عندما تُفرض عليها المواجهة. كما أن هذا النهج ينفي الرواية الإيرانية التي تتهم دول الخليج بالسماح باستخدام أراضيها أو أجوائها للاعتداء على إيران؛ فالسياسة السعودية كانت ولا تزال قائمة على رفض تحويل أراضيها إلى منصة لاستهداف الآخرين، ورفض أن تتحول أراضي الدول المجاورة إلى منصة لاستهدافها.
الاستنتاج
في النهاية، أثبتت المملكة أن القوة ليست في القدرة على إشعال الحروب، بل في القدرة على منعها، وأن الردع الحقيقي لا يتعارض مع الدبلوماسية، بل يحميها. وبذلك بقيت السعودية لاعبًا مسؤولًا يحمل غصن الزيتون بيد، ويحتفظ بالقدرة على حماية أمنه وسيادته باليد الأخرى، وهي معادلة لا تتقنها إلا الدول التي تعرف قيمة القوة وحدود استخدامها.
صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة



