الرئيسيةعربي و عالميتجديد الغدة الزعترية.. هل يفتح باباً...
عربي و عالمي

تجديد الغدة الزعترية.. هل يفتح باباً لإطالة العمر البشري؟

15/07/2026 19:00

تتسابق الأوساط الطبية حالياً لتطوير تقنيات متطورة تهدف إلى تجديد «الغدة الزعترية»، التي تُعد حجر الزاوية في جهاز المناعة ضد الأمراض المرتبطة بالشيخوخة والسرطان، وفق ما نشرته مجلة «نيتشر» العلمية. وتتركز الجهود على إعادة إنماء هذا العضو الذي يتعرض للضمور التدريجي مع التقدم في السن.

بداية القصة: تجربة ذاتية جريئة

في عام 1996، اتجه عالم الأحياء البردية غريغوري فاهي إلى عيادة طبيبه الخاص، ساعياً للحصول على جرعات كافية من هرمون النمو لمدة شهر كامل، مستنداً إلى نتائج دراسة أجريت على الفئران. كان هدفه تحفيز تجديد الغدة الزعترية لديه، ذلك العضو المناعي الذي يتلاشى شبه كلياً مع تقدم الإنسان في العمر. اعتقد فاهي أن إعادة إحياء هذا العضو ستمنحه فرصة لحياة أطول وأكثر حيوية.

أظهرت فحوصات الرنين المغناطيسي التي أجراها بعد ذلك تحسناً ملموساً، حيث تضاعفت كتلته الزعترية الوظيفية تقريباً، وفق ما أكده فاهي بنفسه. ورغم أنه لم يشعر بشباب فعلي حاسم في تلك المرحلة، إذ كان في السادسة والأربعين من عمره ويتمتع بصحة جيدة، إلا أن مساعيه اللاحقة لإعادة إنماء الأنسجة منحته إحساساً مفعماً بالنشاط والقوة.

تطورت هذه التجربة الفردية لتصبح سلسلة من الفحوصات السريرية المحدودة تحت إشراف شركة «إنترفين إيميون» للأدوية الحيوية في مدينة تورانس بولاية كاليفورنيا، حيث يشغل غريغوري فاهي منصب رئيس الفريق العلمي.

اهتمام متزايد بمسألة تجديد الغدة الزعترية

لا تقتصر الأبحاث على هذه الشركة وحدها، بل شهدت الأعوام الثلاثة الماضية انفجاراً في الدراسات الطبية المتعلقة بتجديد الغدة الزعترية، بدفع من أبحاث أكدت أن سلامة هذا العضو، الذي كان يُصنف سابقاً كعضو غير ضروري، تُعد دلالة رئيسية على عافية الجسد بأكمله. وارتفع الحماس العلمي بشكل لافت بعد نشر ورقتين بحثيتين هذا العام، ربطتا تراجع كفاءة العضو المناعي بارتفاع معدلات الوفاة.

تدفق الاستثمارات لدعم تجديد الغدة الزعترية

جذبت هذه النتائج انتباه كبار المستثمرين؛ ففي يناير من هذا العام، نجحت شركة «تيك ريجين» للتقنيات الحيوية في مدينة بازل السويسرية في جمع 10 ملايين فرنك سويسري (ما يعادل 12.4 مليون دولار) لتطوير آليات دوائية تساعد على تجديد الغدة الزعترية. تأمل الشركة، عبر موقعها الإلكتروني، أن تسهم هذه الخطوة في تأخير الهرم والوقاية من الأورام الخبيثة، دون الكشف عن مركبها الدوائي المستهدف بعد.

وفي أكتوبر الماضي، تأسست شركة «زاغ بايو» المتخصصة في هذا المجال بمدينة كامبريدج في ولاية ماساتشوستس، بدعم تمويلي بلغ 80 مليون دولار. وتتسابق صناديق رأس المال الجريء والمؤسسات الدوائية للتواصل مع غريغوري فاهي وعلماء آخرين لبناء برامج بحثية مستقلة.

ويوضح مارسيل فان دن برينك، رئيس الأطباء ورئيس مركز مدينة الأمل لعلاج السرطان وأبحاثه في دوارتي بولاية كاليفورنيا، والباحث المتخصص في شؤون هذا العضو منذ عام 1996 والشريك العلمي المؤسس لشركة «ثايموفوكس» في كامبريدج، أن الاهتمام بالقطاع أصبح هائلاً بعد سنوات طويلة من التشكيك والاعتقاد السائد بأنه يبدد وقته في تخصص بلا طائل.

الجذور التاريخية وتأخر كشف أهمية تجديد الغدة الزعترية

ظلت الغدة الزعترية لعقود متتالية تُصنف كعضو ضامر لا قيمة له. ويصفها جورج هولاندر، عالم المناعة في جامعة أكسفورد والشريك المؤسس لشركة «تيك ريجين»، بأنها تعرضت للإهمال والتهميش الطويل. ففي عشرينيات القرن الماضي، اعتقد بعض الباحثين أن دورها ينحصر في تكوين قشور البيض لدى الطيور دون مهام تذكر لدى الثدييات. بل إن عالم الأحياء الحائز على جائزة نوبل بيتر مداور وصفها لاحقاً بأنها «حادث تطوري بلا قيمة حقيقية».

ثبت خطأ تلك الاستنتاجات تماماً، لكن سر وظيفة الغدة استعصى على العلماء عقوداً بسبب بقاء الحيوانات التي تخضع لاستئصالها جراحياً في حالة صحية جيدة. ولم تتضح الحقيقة إلا في ستينيات القرن العشرين عندما أجرى عالم المناعة جاك ميلر هذه الجراحة على فئران حديثة الولادة، فتعرضت للنفوق سريعاً جراء العدوى، وبدت عقدها اللمفاوية خالية من الخلايا المناعية. اكتشف ميلر حينها أن هذا العضو هو المسؤول عن تخليق الخلايا التائية التي سميت باسمه اللاتيني الأول، والتي تشكل اليوم العمود الفقري للجهاز المناعي المعني بمحاربة الأورام السرطانية وصد الالتهابات.

أثر الشيخوخة وعلاقته بضرورة تجديد الغدة الزعترية

تعاني الغدة الزعترية من انكماش حاد ومتواصل طوال حياة الإنسان، إذ تتحول جل خلاياها بعد مرحلة البلوغ إلى كتل دهنية غير وظيفية، ويتراجع تخليق الخلايا التائية تدريجياً. مع بلوغ سن الأربعين، لا تنتج الغدة سوى ربع الكمية التي كانت تصنعها في سن الثامنة، وتنخفض هذه النسبة لتصل إلى 10% فقط عند سن الخامسة والستين.

دفعت هذه الأرقام قطاعاً من الأطباء لافتراض عدم حاجة البالغين لخلايا تائية جديدة، وهو تصور خاطئ تماماً تنفيه عالمة المناعة في جامعة كوليدج لندن جنيفر كوان. ساهمت ثلاثة كشوفات علمية في تبديل هذا الاعتقاد؛ إذ كشفت دراسة أجريت عام 2023 أن الذين استأصلوا الغدة جراحياً واجهوا خطر الوفاة بثلاثة أضعاف، وخطر الإصابة بالسرطان بضعفين بعد مرور 5 سنوات على الجراحة مقارنة بالآخرين. وفي شهر مارس، أكدت دراستان شملتا بيانات أكثر من 31 ألف شخص أن تراجع حجم الغدة الزعترية الطبيعي بفعل التقدم في السن يرتبط طردياً بزيادة احتمالات الوفاة والسرطان والاعتلالات القلبية مثل قصور القلب، كما يقلل من فرص النجاة عقب تلقي العلاجات المناعية للأورام.

آفاق واعدة وعقبات تواجه تجديد الغدة الزعترية

رغم هذه المؤشرات، ينبه جراح الصدر في جامعة ييل، دانييل بوفا، إلى أن الدراسات تقدم علاقة ارتباطية فحسب ولا تجزم بالسببية، موضحاً أن الفحوصات الرجعية لا تمنح صورة كاملة، لا سيما وأن أبحاث فريقه لم ترصد فوارق واضحة في عودة الأورام لدى المرضى الذين خضعوا لاستئصال الغدة كلياً أو جزئياً لعلاج السرطان.

ومع ذلك، يشهد الاهتمام الأكاديمي والتجاري تصاعداً مستمراً. ويشبه عالم أحياء النمو في المعهد الوطني الأمريكي للسرطان، يوسوك تاكاهاما، عملية تجديد الغدة الزعترية بإعادة تشغيل النظام المناعي للجسد ككل. ويبدي العلماء تفاؤلاً بالقدرة الذاتية الهائلة للعضو على التجدد، مستدلين بضموره خلال فترة الحمل وعودته للنمو بعد الولادة، وفق ما يذكره عالم أمراض الدم في مستشفى ماساتشوستس العام والشريك المؤسس لشركة لايتنينغ للعلاجات الحيوية ديفيد سكادين.

تقتصر الطرق المتاحة حالياً لتنشيط العضو على علاج حرمان الأندروجين المستخدم لسرطان البروستاتا، وتقنين السعرات الحرارية، وزراعة الأنسجة المعالجة للأطفال المولودين بلا غدة. ويطرح عقار غريغوري فاهي المكون من هرمون النمو ومركبات مرافقة كخيار متقدم، حيث أظهر تراجعاً في العمر البيولوجي لعشرة متطوعين بمعدل عامين ونصف العام وفق قراءات الساعة الفوق جينية بعد عام من العلاج.

تسعى شركات منافسة لإنتاج حلول تتجنب أعراض هرمون النمو الجانبية كارتفاع السكر والسرطان؛ إذ تعكف شركة «توليرانس بايو» بقيادة فرانسيسكو ليون على تطوير جسم مضاد يؤخر ضمور الغدة تمهيداً لبدء اختباراته السريرية عام 2027، بينما تصمم شركة «ثايميون» للعلاجات خلايا جذعية جاهزة للتحول إلى نسيج زعطري فاعل فور حقنها.

تواجه هذه المساعي عقبات كبرى، أبرزها صعوبة استهداف خلايا الغدة بدقة لافتقارها لبروتينات سطحية مميزة، والاعتماد على الحقن الوريدي غير العملي للمدى الطويل، فضلاً عن غياب الأدلة المؤكدة لعمل الخلايا التائية المنتجة حديثاً بكفاءة كاملة وليس مجرد زيادة حجم العضو. وهو ما تؤكده عالمة الأحياء الدقيقة في مركز جينات العلوم الصحية بجامعة تكساس آن غريفيث، معتبرة أن الأبحاث لا تزال في أطوارها الأولى لاستكشاف أسرار تجديد الغدة الزعترية.

صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *