عندما تتفوق الأرقام على الحقيقة في أنظمة الرعاية الصحية

مستهدفات الأداء وخطر الانفصال عن الواقع
هذا المشهد لا يقتصر على مؤسسة بعينها بل يتكرر بأشكال مختلفة في أنظمة صحية عديدة حول العالم. وقد أدركت بعض هذه الأنظمة، بعد سنوات من التجربة، أن وضع أهداف صارمة قد يتحول إلى جزء من المشكلة عندما ينفصل عن الواقع الذي صُمِّمَت لتحسينه.
في المملكة المتحدة، عندما اعتمد نظام الصحة الوطنية NHS أهدافاً صارمة لأوقات الانتظار في أقسام الطوارئ، تحسنت المؤشرات بسرعة ملحوظة. لكن المراجعات اللاحقة كشفت أن بعض المستشفيات بدأت تبقي سيارات الإسعاف خارج أبواب الطوارئ قبل تسجيل وصول المرضى، وذلك لتجنب بدء احتساب زمن الانتظار الرسمي. بدت الأرقام أكثر نجاحاً على الورق بينما ظل بعض المرضى ينتظرون خارج الباب؛ تحسن المؤشر لكن الواقع لم يتحسن بالقدر نفسه.
هذه الظاهرة ليست جديدة في علم الإدارة. فقد صاغ الاقتصادي البريطاني «تشارلز غودهارت» مبدأ أصبح من أكثر المبادئ تداولاً في الإدارة الحديثة: «عندما يصبح المقياس هدفاً، يتوقف عن كونه مقياساً جيداً». ليس لأن الأرقام أصبحت خاطئة، بل لأن سلوك المؤسسات يبدأ بالتكيف مع الرقم نفسه بدلاً من التكيف مع الغاية التي وضع الرقم لقياسها.
ومن هنا يبرز سؤال ربما يكون أهم من أي هدف: ما السلوك الذي نريد أن نشجعه؟ فالأهداف لا تغير المؤسسات مباشرة؛ إنها تغير سلوك العاملين داخلها. إذا صُمِّمت بعناية دفعت الجميع نحو التحسن. أما إذا انفصلت عن واقع الممارسة فقد تدفعهم دون قصد إلى تحسين الرقم أكثر من تحسين الخدمة.
ولهذا فإن المشكلة لا تبدأ عندما نقيس الأداء، إنما عندما يصبح الوصول إلى الرقم غاية في حد ذاته، منفصلاً عن الغاية التي وضع من أجلها. الهدف الذي يُبنى بعيداً عن الإمكانات المتاحة أو عن تعقيد الممارسة أو عن اختلاف البيئات الصحية لا ينتج بالضرورة أداءً استثنائياً؛ وعلى الأغلب لا ينتج إلا إحباطاً استثنائياً.
وعندما يشعر الفريق أن النجاح أصبح مستحيلاً يتغير معنى القياس. تتحول المؤشرات من أدوات للتعلم والتحسين إلى مصادر ضغط دائم، ويتركز الجهد على ما يُقاس بينما تتراجع أشياء لا تقل أهمية لأنها ببساطة لا تظهر في لوحة المؤشرات.
ولو كان رفع الأهداف وحده كافياً لتحسين الأداء، لكانت أبسط وصفة لبناء نظام صحي متميز هي رفع جميع الأهداف إلى ١٠٠ بالمئة. لكن جودة الرعاية الصحية لا تُبنى بهذه الطريقة؛ فهي نتاج توازن دقيق بين الطموح والموارد، وبين الكفاءة والوقت، وبين أعداد الكوادر، وتعقيد الحالات، والبنية التحتية، والتقنيات المتاحة، والقرارات السريرية التي لا يمكن اختزالها في رقم واحد.
وبالتالي فإن أفضل الأهداف ليست الأعلى دائماً؛ بل تلك التي تدفع المؤسسة إلى التحسن المستمر دون أن تفقد صلتها بالواقع.
تطبيق الدروس في السعودية ومسار التحول الصحي
في السعودية، أصبحت ثقافة الأداء جزءاً أساسياً من مسيرة التحول الصحي، وهو تطور يعكس التزاماً واضحاً برفع الجودة وتعزيز الكفاءة وترسيخ المساءلة. وهذا المسار يستحق أن يستمر، لأن تحسين الأداء لا يمكن أن يتحقق من دون قياسه، لكن السؤال الحقيقي ليس: هل نقيس؟ بل ماذا يفعل الفريق حين يشعر أن الهدف بات بعيداً عن إمكاناته؟
نجاح هذه المرحلة لن يعتمد على طموح الأهداف فقط، بل على جودة تصميمها، وعدالة تطبيقها، وارتباطها بواقع الممارسة، وتوفير الموارد التي تجعل تحقيقها ممكناً، والاستعداد لمراجعتها عندما يكشف الواقع أنها لم تعد تقيس ما نريد تحسينه.
الأنظمة الصحية الناضجة والمقاييس كأدوات للتعلم
الأنظمة الصحية الأكثر نضجاً لا تتعامل مع الأهداف بوصفها أحكاماً نهائية، إنما بوصفها أدوات للتعلم. تراجع باستمرار، وتفسر في سياقها، وتستخدم لفهم الواقع لا لاستبداله.
نافذة: الأنظمة الصحية الأكثر نضجاً لا تتعامل مع المستهدفات بوصفها أحكاماً نهائية، إنما بوصفها أدوات للتعلم. تراجع باستمرار، وتفسر في سياقها.
وعندما يصبح النجاح هو تحسين الرقم أكثر من تحسين الواقع، قد تبدو التقارير أكثر إشراقاً بينما لا يشعر المريض بأي فرق، فالمرضى لا يعيشون داخل الأهداف… بل يعيشون النتائج التي تصنعها!
صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة



