بين رؤية القائد وواقع المرآة: إصلاح المؤسسات يبدأ من سلامة الضمير

تعاني المؤسسات أحياناً لا من نقص في الأنظمة، بل من قصور في النفوس التي تتولى تطبيقها. فالنظام العادل قد يتحول في يد غير عادلة من ميزان إلى أداة، ومن قيمة إلى وسيلة، ومن رسالة إلى إجراء بارد يخلو من روحها. ولعل من أكثر المفارقات إيلاماً أن إخفاق بعض الجهود الإصلاحية لا يعود إلى خصومها، بل إلى من يرفعون رايتها. فليس كل من وقف تحت مظلة الفكرة مؤمناً بها، وليس كل من تحدث باسم العدالة عاشها، وليس كل من امتلك صلاحية القرار امتلك معها ضميراً يوازي حجم تلك الصلاحية.
ظلال في الممرات البعيدة
كم من قيادي ظن أن الضوء قد وصل إلى جميع الزوايا، بينما بقيت بعض الممرات غارقة في الظلام. وكم من خطة رسمت بعناية، ثم أعادت أيدٍ رسمها وفق مقاساتها الخاصة. وكم من جهد بذل لتحقيق ميزان مستقيم، ثم جاءت أهواء البشر لتضغط بأصابعها الخفية على إحدى كفتيه.
قد يستطيع الإنسان أن يخدع اللوائح زمناً، وينجح في تجميل الأرقام والتقارير، لكنه يعجز عن إخفاء الأثر الذي يتركه في حياة الآخرين. فالمؤسسات لا تقاس فقط بما تكتبه في وثائقها، بل بما يشعر به العاملون فيها عندما يغلقون أبواب مكاتبهم في نهاية اليوم. هناك أشياء لا تظهر في الجداول الإحصائية: الكفاءة حين تدفع إلى الخلف، والإنصاف حين يتراجع أمام المجاملة، والإحباط حين يصبح الاجتهاد طريقاً أطول من التملق، وذلك الصمت الثقيل الذي يختاره بعض المخلصين حين يكتشفون أن أصواتهم لا تصل بالوضوح ذاته الذي تصل به أصوات أخرى.
الخطر الحقيقي: تحول المنصب إلى امتياز
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي مؤسسة ليس الخطأ الإداري العابر، فالأخطاء جزء من الطبيعة البشرية. بل الخطر الحقيقي يبدأ عندما يتحول المنصب من مسؤولية إلى امتياز، ومن أمانة إلى ملكية خاصة، ومن موقع لخدمة المصلحة العامة إلى مساحة ضيقة تدور حول الأشخاص لا المبادئ. حينها تبدأ المؤسسة في فقدان شيء لا يرى بالعين المجردة: تفقد روحها، وتفقد تلك الثقة الصامتة التي تجعل الموظف يشعر أن جهده سيقاس بمعيار واحد لا بمعايير متعددة.
العدالة ليست بنداً في لائحة، بل مناخاً كاملاً تتنفسه المؤسسات. وإذا اختل هذا المناخ، فإن الأوراق قد تبدو سليمة، لكن الأرواح التي تعمل خلفها تبدأ بالذبول. وحضرة المسؤول يشبه صاحب المرآة الكبيرة: يرى الصورة التي تنعكس أمامه، لكنه لا يستطيع دائماً أن يرى ما إذا كان الزجاج نفسه قد أصابه شيء من التشوه. ولهذا كانت أعظم القيادات عبر التاريخ هي تلك التي لم تكتفِ بالنظر إلى الصورة، بل بحثت دائماً عن سلامة المرآة.
بين الخدمة والاستخدام: قياس سلامة الناقل
الحقيقة لا تضيع عادة عند مصدرها، بل تضيع أحياناً عند من يتولون نقلها. والعدل لا يهزم غالباً أمام الظلم الصريح، بل أمام أولئك الذين يخفون انحيازاتهم. والإخلاص لا يؤذيه إلا الادعاء، وليس كل من يتحدث باسم المؤسسة يمثل قيمها، كما أن ليس كل من يرفع شعاراتها يحمل جوهرها. إن النجاحات لا تتعثر حين يقل المخلصون، بل حين تتشابه الوجوه حتى يصعب التمييز بين من يخدم الفكرة ومن يستخدمها، وبين من يحمل الأمانة ومن يحمل شكلها فقط.
لهذا يبقى الرهان الحقيقي في كل مشروع إصلاحي على الإنسان، وعلى الضمير قبل الصلاحية، وعلى النزاهة قبل النفوذ. الذي قد يمنح الموظف منصباً، لكنه لا يستطيع أن يمنحه ضميراً. ويستطيع أن يضع بين يديه الصلاحيات، لكنه لا يستطيع أن يضع في قلبه النزاهة. وتستطيع القرارات أن تحدد الطريق، لكنها لا تستطيع أن تضمن سلامة من يسيرون فيه.
والأكيد أن الثقة بالمسؤول كبيرة حينما يفتح النوافذ لصوت الواقع، كما يفتح الأبواب لصوت التقارير. لأن المسافة بين التخطيط والنتيجة ليست دائماً مسافة قرارات، بل مسافة بشر. وفي تلك المسافة تحديداً يتحدد مصير الأفكار: إما أن تصل كما ولدت نقيةً وعادلة، وإما أن تتبدل ملامحها حتى لم يعد يعرف فيها وجه صاحبها الأول.
صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة



