الرئيسيةعربي و عالميتحوّلات الاقتصاد الثقافي بين الجمال والربح...
عربي و عالمي

تحوّلات الاقتصاد الثقافي بين الجمال والربح في عصر الرقمنة

13/06/2026 07:00

ظهر في الفترات الأخيرة مفهوم «الاقتصاد الثقافي» كفرعٍ ناشئ من علم الاقتصاد، يركز على دراسة مسار المنتجات الثقافية كسلع وخدمات، بدءاً من مراحل الإنتاج مروراً بالتوزيع وانتهاءً بالاستهلاك. يعتمد هذا المجال على أدوات التحليل الاقتصادي العامة، لكنه يكيّفها لتتناسب مع خصوصية الثقافة وتعريفها الفريد. اليوم، يصبح الاقتصاد الثقافي نقطة التقاء حاسمة بين الجمال والرقم، حيث تُحوَّل الرموز الفنية إلى مؤشرات نمو، وتُقاس الذائقة الإنسانية ببيانات قابلة للقياس.

نقد الفلاسفة للثقافة كسلعة

أشار الفيلسوف الألماني ثيودور أدورنو إلى أن «صناعة الثقافة لا تلبّي رغبات الجمهور بقدر ما تصنعها وتوجّهها»، ما يطرح سؤالاً جوهرياً حول إمكانية بقاء الإبداع نقيًا أمام منطق السوق. في منتصف القرن الماضي، تناول مفكّرو مدرسة فرانكفورت النقدية هذه الإشكالية في كتاب «جدل التنوير» (1944)، محذرين هوركهايمر وأدورنو من أن تتحول الثقافة إلى أداة للهيمنة الأيديولوجية تُنتج سلعًا نمطية تُسوّق للجماهير من أعلى إلى أسفل، خلافًا للرؤية الماركسية التي ترى الوعي ينطلق من القاعدة الشعبية. يرى النقاد أن هذا التحول يجعل الثقافة رهينة لآلية التسويق المتكررة التي تشكّل الذائقة وتوجهها نحو المنتجات الأكثر ربحية على حساب العمق النقدي.

التسليع وتأثيره على الإبداع

تحويل المنتج الثقافي إلى سلعة تخضع لاستغلال الشركات يثير جدلاً حادًّا حول مفهوم «تسليع الثقافة». وفقًا للدكتور عبد الله بن محمد الحميد، يطغى السعي للربح أحيانًا على الإبداع، فيتحول المنتج إلى بضاعة شعبية تُنتج على خطوط متطابقة، مشابهة للوحات الفنية الأصلية التي استبدلتها ملايين النسخ التجارية. هذه الظاهرة لا تمثّل مجرد تغيير في نمط الاستهلاك، بل تعكس تحولًا جوهريًا في علاقة المجتمع بالرمز والقيمة، ما يثير أسئلة فلسفية حول أصالة التجربة الجمالية.

التحولات الرقمية وتأثير الخوارزميات

يؤكد الفيلسوف الفرنسي جان بودريار أن «المجتمع الاستهلاكي يحوّل كل شيء إلى إشارات قابلة للتبادل، بما في ذلك المعنى الفني والذاكرة الجماعية». وتشير الدراسات إلى أن الصناعات الثقافية والإبداعية تشكل حاليًا نحو 3.1% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، مع توقعات لتجاوز 4.5% بحلول عام 2030 وفقًا لتقارير اليونسكو والبنك الدولي (2024). وعلى الرغم من هذا النمو المتواصل، يحذر الفيلسوف البريطاني مارك فيشر من أن «الرأسمالية المتأخرة تُفرغ الثقافة من مضمونها النقدي، وتحوّلها إلى خلفية ترفيهية لآلة الإنتاج». ويظهر ذلك جليًا في سيطرة الخوارزميات الرقمية على توزيع المحتوى الفني. دراسة صادرة عن معهد بروكينغز (2025) أفصحت أن 68% من المحتوى الثقافي الرقمي العالمي يخضع لآليات ترشيح تجارية تسعى لتعظيم وقت المشاهدة بدلاً من تعزيز القيمة الجمالية، ما يبرز توترًا مستمرًا بين الكفاءة السوقية والأصالة الفنية.

جذور تاريخية للتسليع وتحديات المستقبل

ليس دمج الفن مع السوق ظاهرة حديثة؛ بل يمتد تاريخيًا إلى قرن السابع عشر حين أسس الرسام الهولندي رامبرانت ورشة تجارية لبيع أعماله وأعمال زملائه، بينما وظّف روبينز مساعدين لرسم الخلفيات ومزج الألوان، وفتح أبواب ورشته للجمهور مقابل رسوم دخول. تلك الممارسات تُظهر أن الفنان لم يكن منعزلًا عن السوق، بل سعى للتوازن بين الاستقلالية الفنية والاستدامة المعيشية، مما يثبت أن الاقتصاد والإبداع تقاطعا تاريخيًا قبل ظهور المصطلحات الحديثة.

في الوقت الحاضر، يتعامل المبدعون مع منظومة رقمية عالمية تعيد صياغة الذائقة بسرعة فائقة. يشير عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو إلى أن «رأس المال الثقافي لم يعد حكراً على النخبة، بل صار سلعة تُنتج وتُستهلك بكميات هائلة، ما يعيد إنتاج التمايزات الطبقية بأشكال جديدة». وتأتي هذه التحولات في إطار مرحلة ما بعد الحداثة التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية، حيث رفضت السرديات الكبرى التقليدية. أدى انتشار الراديو، التلفاز، ثم المنصات الرقمية إلى طمس الحدود بين الثقافة الجماهيرية وثقافة النخبة، وهو ما وصفه نقاد كثيرون بأنه «ابتذال منظم». دراسة نشرت في مجلة «Culture, Society & Economy» (2023) أظهرت أن 72% من المستهلكين في الأسواق الناشئة يفضّلون المنتجات الثقافية سريعة الاستهلاك على الأعمال العميقة، ما يعكس تحولًا في أولويات التلقي الفني وإيقاع الحياة المعاصرة.

لا يمكن إغفال الدور التنموي للصناعات الثقافية في ظل الأزمات الاقتصادية المتلاحقة. وفقًا لتقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) (2025)، حققت الصادرات العالمية للسلع والخدمات الإبداعية نموًا سنويًا بنسبة 5.8%، متفوقة على متوسط النمو العالمي. أصبحت هذه الصناعات مصدر دخل لملايين العاملين داخل وخارج القطاع، ما يدعم فكرة أن «تصنيع الثقافة» ليس شرًا مطلقًا، بل ضرورة اقتصادية تستدعي إدارة واعية.

يبقى السؤال المركزي: كيف نحافظ على القيمة غير المادية للثقافة في ظل طغيان المؤشرات الكمية؟ يرد الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس بأن «العقلانية الأداتية لا يجب أن تطغى على العقلانية التواصليّة التي تحافظ على المعنى الإنساني المشترك»، داعيًا إلى سياسات ثقافية تُوازن بين السوق والهوية. تتعقّد الإشكالية مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى ساحة الإنتاج الثقافي، حيث أصبحت الآلات قادرة على كتابة النصوص، تلحين الموسيقى، رسم اللوحات، وبيعها كمنتجات مستقلة. يحذر الفيلسوف الكندي تشارلز تايلور من أن «عندما تفقد الثقافة مصدرها الإنساني المباشر، تتحوّل إلى صدأ تقني يُعيد إنتاج الفراغ بدلاً من المعنى»، وهو تحذير يكتسب أهمية متزايدة في عصر الخوارزميات التوليدية التي تختبر حدود الإبداع البشري.

مع ذلك، تظل الثقافة البشرية قادرة على التكيّف وإعادة تعريف ذاتها، كما حدث عبر التحولات التقنية الكبرى في التاريخ. يؤكد الدكتور الحميد أن الصناعات الثقافية ستظل محركًا للنمو شريطة أن تُصمم سياساتها لحماية التنوع الجمالي ومنع احتكار الذائقة من قبل كيانات تجارية ضيقة، ما يضمن استدامة القطاع على المدى البعيد.

إن مستقبل الاقتصاد الثقافي لا يكمن في رفض السوق أو تمجيد الربح، بل في إعادة صياغة العقد بين المبدع والمجتمع والدولة. كما يلاحظ المفكر المغربي عبد الله العروي، «الثقافة لا تموت عندما تُباع، بل عندما تفقد قدرتها على طرح الأسئلة». هذا يعني أن التحدي الحقيقي يكمن في ضمان بقاء المنتج الثقافي حاملاً لرسالة نقدية وإنسانية، رغم ضغط المؤشرات المالية. الأرقام والدراسات تؤكد استمرار نمو القطاع، لكن القيمة الحقيقية تُقاس بعمق التأثير لا بحجم المبيعات فقط، ما يستدعي وعياً مؤسسيًا وفلسفيًا متجددًا.

ختامًا، يظل الجدل حول تسليع الثقافة جدلاً غنيًا يعكس صراعًا أعمق بين قيمتين إنسانيتين: الحاجة إلى العيش الكريم عبر الإبداع، والرغبة في الحفاظ على نقاء التجربة الجمالية. لا تُعد الثقافة ترفًا فكريًا بل بنية تحتية معرفية واقتصادية. إدارة هذا التحول بحكمة تتطلب وعيًا فلسفيًا ورقابة مؤسسية، لضمان أن يظل الفن مرآةً للإنسان، لا سلعةً تُستهلك وتُنسى، في عالم يتسارع نحو الرقمنة والربح معًا.

صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *