القلق الوجودي وعصر المخاطر المتواصلة

من الوعي بالموت إلى خوف العالم
قال الفيلسوف الألماني مارتن هايدجر إن «الإنسان كائن يتجه نحو موته»، موضحاً أن إدراك الفناء يشكل جزءًا جوهريًا من التجربة الإنسانية. لكن الفرد اليوم لا يقتصر قلقه على موته الخاص، بل يواجه سرديات مستمرة عن انهيار الكوكب: تغير المناخ، الحروب النووية، الجوائح الجديدة، الأزمات الاقتصادية، الذكاء الاصطناعي الفاقد للسيطرة، واستنزاف الموارد الطبيعية. بات المستقبل محاطًا بسلسلة لا تنقضي من التحذيرات والإنذارات، ما جعل البشرية تنتقل من جو الأمل إلى حالة الترقب المستمر.
دور التكنولوجيا والإعلام في تضخيم الخوف
الفرق الجوهري يكمن في سرعة وصول المعرفة. فلاح أوروبا في القرن الخامس عشر لم يكن ليستمع إلى وباء بعيد قبل أشهر أو سنوات، بينما يتلقى فرد العصر الرقمي أخبار الكوارث فور وقوعها مهما بعدت المسافة الجغرافية. لقد أزاحت التكنولوجيا المسافات لكنها حولت المخاوف إلى ظاهرة عالمية. أشار عالم الاجتماع الألماني أولريش بيك إلى ذلك بصياغة مفهوم «مجتمع المخاطر»، موضحًا أن المجتمعات الحديثة تنتج المخاطر بنفس القدر الذي تنتج فيه الثروة. فالتقدم العلمي الذي أتى بالرفاهية والاتصال والسرعة أنشأ في الوقت نفسه أخطارًا عابرة للحدود لا يمكن احتواؤها في مكان أو زمان محدد. وبحسب بيك، لم يعد الخطر حدثًا محليًا بل تحول إلى حالة مشتركة على الصعيد العالمي.
إننا نعيش في عصر تتدفق فيه المعلومات بأسرع من قدرة العقل على هضمها. كل صباح يبدأ بسيل من الأخبار العاجلة، التنبيهات، التحليلات والتوقعات: أزمة طاقة هنا، حرب هناك، فيروس جديد يظهر في مكان ما، أو تحذير من كارثة بيئية وشيكة. مع التكرار يتحول الخوف من استجابة لحدث معين إلى مزاج دائم. وتبرز المفارقة بأن ازدياد قدرتنا على معرفة ما يجري في العالم يزيد إحساسنا بالعجز أمامه.
بالإضافة إلى ذلك، تقوم وسائل الإعلام الرقمية نماذجها الاقتصادية على جذب الانتباه. والخوف، بطبيعته، من أقوى المشاعر لجذب الانتباه. لذلك تتحول الأخبار السلبية إلى مادة متداولة باستمرار، بينما تُدفع الأخبار المطمئنة إلى الهامش.
التحدي: التمييز بين المعرفة والاستسلام
النتيجة هي أن الإنسان المعاصر يعيش ما يمكن تسميته بـ«الانتظار الوجودي». فإنه يؤجل أحلامه أحيانًا لأن الأزمة القادمة قد تكون أقرب مما يتوقع؛ يؤجل السفر، الاستثمار، الإنجاب وحتى التفاؤل، ريثما تمر الكارثة المتوقعة. لكنه يكتشف أن الكارثة التالية تلوح دائمًا في الأفق، فيتحول المستقبل إلى سلسلة من المخاوف المؤجلة. كما لاحظ الفيلسوف الروماني إميل سيوران أن «القلق هو شكل من أشكال اليقظة المفرطة»، وهذه اليقظة المفرطة تميز عصرنا؛ فنحن لا نعيش الحاضر بالكامل بل نعيش احتمالات المستقبل، ونخاف ليس فقط مما يحدث بل مما قد يحدث، فتصبح الخيال مصدرًا للمعاناة كما هو مصدرًا للإبداع.
مع ذلك، يقدّم تاريخ البشرية درسًا مختلفًا: الأجيال السابقة عاشت أزمنة بدت كأنها نهاية العالم—الحروب العالمية، الأوبئة الكبرى، المجاعات، الانهيارات الاقتصادية—ومع ذلك استمرت الحياة وأعاد البشر بناء مدنهم ومؤسساتهم وأحلامهم. إن المشكلة ليست في وجود المخاطر، فهي جزء من التاريخ الإنساني، بل في تحويل الخوف منها إلى أسلوب حياة. فالإنسان لا يستطيع البقاء في حالة استنفار نفسي مستمر دون أن يدفع ثمنًا باهظًا من صحته النفسية وقدرته على الفعل.
لذلك ربما يكون التحدي الحقيقي في زماننا هو استعادة القدرة على التمييز بين المعرفة والخوف، وبين الوعي بالمخاطر والاستسلام لها. ليس المطلوب إنكار الأزمات أو تجاهلها، بل رفض تحويلها إلى قدر يومي يحدد نظرتنا إلى العالم. إن إدراك هشاشة الوجود لا يعني العيش في رعب دائم منه.
في النهاية، قد يكون الإنسان المعاصر أكثر شعوب التاريخ اطلاعًا على احتمالات النهاية، لكنه ليس بالضرورة أقرب إليها من أسلافه. فلم ينتهِ العالم بالأمس، وربما لن ينتهي غدًا. ما ينتهي حقًا كل يوم هو شيء آخر: قدرتنا على عيش الحاضر عندما نسمح للمستقبل أن يبتلعنا بالكامل. وبالتالي يصبح السؤال الملح ليس: متى ستأتي الكارثة التالية؟ بل: كيف يمكن أن نعيش حياة كاملة في عالم لا يكف عن التلويح بنهاياته؟ فالحكمة، كما كتب ألبير كامو، ليست في انتظار الخلاص، بل في أن «نتخيل سيزيف سعيداً» وهو يواصل دفع صخرته رغم عبثية الطريق. وربما يكون هذا هو الدرس الأعمق لعصر القلق: أن نستمر في الحياة لا لأننا نضمن المستقبل، بل لأن الحياة نفسها تستحق أن تُعاش。
صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة



