الرئيسيةمحلياتتحصين المملكة من الأيديولوجيات والانقلابات في...
محليات

تحصين المملكة من الأيديولوجيات والانقلابات في كتاب «المملكة: العربية وآل سعود»

03/06/2026 01:00

في كتابه «المملكة»، لا تُصوَّر السعودية مجرد دولة واجهت خصومًا سياسيين في محيط عربي مضطرب، بل تُظهر كيانًا تاريخيًا أدرك مبكرًا أن الخطر الأكبر لا ينبع دوماً من الجيوش الخارجية، إنما من الأفكار التي تتسلل إلى المجتمع باسم التحرير لتنتهي بتفكيك الدولة تحت مسمى الثورة.

العواصف الفكرية في القرن العشرين

تكشف قراءة روبرت ليسي أن المملكة عاشت في القرن العشرين وسط عواصف فكرية وسياسية كبرى: القومية العربية، الناصرية، البعث، الشيوعية، الثورة الإيرانية، الإسلام السياسي، والانقلابات العسكرية التي اجتاحت عدة دول عربية. لم تكن هذه التيارات مجرد شعارات، بل مشاريع للسيطرة على الدولة والمجتمع، إذ حملت تصورًا جديدًا للسلطة يعتمد على الحزب أو العسكر أو الجماهير أو الخطاب التعبوي، مع سعي لتصفية الخصوم وإعادة تشكيل المجتمع من أعلى.

هنا تتجلى خصوصية آل سعود، الذين لم يتعاملوا مع هذه الموجات كخلافات نظرية، بل كتهديدات وجودية لبنية الدولة السعودية نفسها.

تمييز بين التحديث والأيديولوجيا المدمر

قوة النظام السعودي في تلك المرحلة لم تكمن في رفض التغيير بحد ذاته، بل في التمييز بين التحديث الضروري وبين الأيديولوجيات المدمرة. كان بإمكان المملكة أن تسقط في الفخ نفسه الذي سقطت فيه دول عربية أخرى، حيث دخلت الحداثة عبر الدبابة والحزب الواحد والبيان العسكري الأول، ثم انتهى الأمر إلى دولة أمنية منهكة ومجتمع ممزق واقتصاد خاضع لشعار سياسي.

لكن السعودية اختارت مسارًا مختلفًا: بناء الدولة من داخل شرعيتها التاريخية والدينية والاجتماعية، دون استيراد نموذج حزبي أو عسكري يقطع المجتمع عن جذوره. لم يكن هذا الاختيار رجعيًا كما صوّره خصومها آنذاك، بل إدراكًا مبكرًا بأن المجتمعات لا تُبنى بالهتاف، ولا تستقر الدولة عندما تتحول إلى ساحة لتجارب الأفكار المستوردة.

الخطر الناصري وتحديات الشرعية

أحد أخطر التحديات التي واجهتها السعودية كان صراعًا بين تصورين كاملين للشرعية السياسية. قدم جمال عبد الناصر نفسه كصوت الجماهير العربية، وحوّل القومية العربية إلى لغة تعبئة عابرة للحدود، قادرة على اختراق الجيوش والجامعات والإعلام والشارع. سعى هذا المشروع إلى نزع الشرعية عن الملكيات العربية باتهامها بالرجعية والتبعية، مستبدلًا الشرعية التاريخية والدينية بشرعية الجماهير والضباط الأحرار.

فهمت المملكة أن هذا الخطاب لا يقتصر على نقد سياسي، بل يهدف إلى تغيير طبيعة الدولة من الداخل. لذا كان تحصين المجتمع السعودي من الناصرية تحصينًا من فكرة أن الشارع الغاضب أو الضابط المتحمس يمكن أن يكون بديلاً عن الدولة، وأن الخطاب الثوري يستطيع أن يحل محل البناء المؤسسي الهادئ.

رفض الأحزاب والبدائل الحزبية

كانت الفاشية البعثية والشيوعية خطرًا من نوع آخر، إذ حملتا تصورًا حزبيًا مغلقًا للدولة. في التجربة البعثية لم يكن الحزب أداةً سياسية عادية، بل جهازًا يطمح إلى احتكار الحقيقة والوطن والجيش والتعليم والإعلام. عندما تتسلل الأيديولوجيا الحزبية إلى بنية الدولة، لا تعود الدولة ملكًا للمجتمع كله، بل تصبح ملكًا لفئة تدعي أنها تفهم التاريخ أفضل من غيرها.

أدركت السعودية ذلك مبكرًا، فرفضت السماح للأحزاب بأن تتحول إلى قنوات اختراق داخل الدولة أو الجيش أو المجتمع. لم يكن منع الحزبية مجرد قرار إداري، بل موقفًا فلسفيًا حول معنى الدولة نفسها. لم ترغب المملكة أن تكون ميدانًا لصراع الأحزاب، ولا أن يتحول المجتمع إلى معسكرات فكرية متناحرة، ولا أن يصبح الولاء للحزب أعلى من الولاء للوطن.

الإسلام السياسي وتحديات الشرعية الدينية

كان التحدي الأكثر حساسية هو الإسلام السياسي، الذي لم يأتِ من خارج اللغة الدينية، بل سعى إلى منافسة الدولة داخل مجال الشرعية ذاته. تأسست السعودية تاريخيًا على علاقة خاصة بين الدين والسلطة، لذا كان خطر الإسلام السياسي مختلفًا عن خطر القومية أو البعث أو الشيوعية.

لم يقتصر هدف الإسلام السياسي على نقد الدولة، بل رغب في إعادة تعريف الدين كمشروع حزبي حركي، وتحويل المجتمع من مجتمع ديني محافظ إلى مجتمع مؤدلج سياسيًا باسم الدين. واجهت المملكة هذا التحدي بدقة من خلال الفصل بين التدين الاجتماعي العميق وبين الأدلجة الحركية، رافضة أن يتحول الدين إلى حزب أو أن تصبح الدعوة تنظيمًا أو أن يرتفع الولاء لجماعة فوق الولاء للدولة.

الثورة الإيرانية ومخاطر التصدير الأفكار

أضافت الثورة الإيرانية بعدًا آخر للوعي السعودي، إذ قدمت نموذجًا لاختطاف الدولة باسم العقيدة الثورية. لم يكن الخطر في التغيير السياسي داخل إيران فقط، بل في مشروع يسعى لتصدير الثورة وتحويل المذهب والخطاب الديني إلى أداة نفوذ إقليمي.

رأت المملكة في هذا النموذج دليلًا جديدًا على أن الأيديولوجيا، حين تختلط بالدولة، لا تبقى داخل حدودها؛ بل تتحول إلى رسالة، ثم إلى تدخل، ثم إلى صراع طويل. وبالتالي كان موقف السعودية من الثورة الإيرانية امتدادًا لمنطقها الأوسع في رفض المشاريع العابرة للدولة الوطنية، سواء جاءت باسم القومية أو الحزب أو الطبقة أو الدين السياسي.

حماية البنية الاجتماعية والهوية الوطنية

حافظ آل سعود على البنية الاجتماعية في المملكة من التفكك، حيث بُقيت العائلة والقبيلة والدين والمناطق والاقتصاد والتعليم والمؤسسة الدينية ضمن توازن دقيق يمنع أي تيار من احتكار المجتمع. لم تسمح الدولة للحزب بأن يصبح وسيطًا بين المواطن والوطن، ولا للعسكر بأن يصبح مصدر الشرعية، ولا للشعبوية أن تحل محل العقل السياسي.

هذه الدينامية ليست بالأمر البسيط، فالعالم العربي في القرن العشرين امتلأ بأنظمة جاءت باسم الشعب ثم حكمت ضد الشعب، ورفعت شعار الوحدة ثم مزقت المجتمعات، وتحدثت باسم التحرر ثم صنعت السجون، وهاجمت الملكيات باعتبارها متخلفة ثم فشلت في بناء دولة مستقرة أو اقتصاد منتج أو مجتمع آمن. وعلى الرغم من أن السعودية وُصفت طويلاً بأنها رجعية، فإن المحافظة الواعية أظهرت أنها قد تكون شكلًا من أشكال الحكمة السياسية، لا عجزًا عن التغيير.

لماذا بقيت السعودية مستقرة؟

تكشف قراءة كتاب «المملكة» أن روبرت ليسي لا يروي مجرد تاريخ ملوك وأحداث، بل يطرح سؤالًا أعمق: لماذا بقيت السعودية مستقرة بينما انهارت تجارب عربية كثيرة ارتفعت بشعارات أكبر؟ الجواب لا يكمن في النفط وحده، ولا في الدين وحده، ولا في القوة الأمنية وحدها، بل في قدرة النظام السعودي على منع الأيديولوجيا من احتلال قلب الدولة.

النفط وفر موارد، والدين منح شرعية، والعائلة المالكة وفرت استمرارية؛ لكن الرؤية السياسية التي منعت الحزب والعسكر والشعبوية من التغلغل في البنية الداخلية هي التي حمتها من المصير الذي عانته دول أخرى. فقد سقطت دول مثل سوريا والعراق وليبيا واليمن ومصر في مسارات مختلفة من حكم العسكر أو الحزب أو الشعارات، لتصبح المجتمعات تابعًا للدولة الأمنية، وتصبح الدولة تابعًا للزعيم أو الحزب أو المؤسسة العسكرية.

تجنبت السعودية هذا المسار لأنها لم تسمح منذ البداية بأن تصبح الدولة غنيمة أيديولوجية. وبالتالي، فإن تحصين المملكة من البعث والناصرية والشيوعية والإسلام السياسي لم يكن مجرد موقف دفاعي، بل مشروعًا لبناء استقرار طويل الأمد. الدولة التي لا تسمح للأيديولوجيا بابتلاعها تستطيع أن تتطور دون أن تنفجر، وتحدّث اقتصادها دون أن تمحو ذاكرتها، وتدخل العالم الحديث دون أن تسلّم مجتمعها للفوضى السياسية.

هذه هي النقطة التحليلية الأعمق: لم تنتصر السعودية لأنها رفضت الأفكار فقط، بل لأنها رفضت تحويل الأفكار إلى أدوات لتفكيك الدولة والمجتمع. ومن هنا يظهر أن ما وُصف بالمملكة يوماً بأنها محافظة أو بطيئة أو حذرة كان في جزء كبير منه وعيًا مبكرًا بخطر الزمن العربي الذي صاغته الانقلابات والأحزاب والشعبوية.

صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *