الرئيسيةمحلياتمن كل بقاع الأرض إلى بيت...
محليات

من كل بقاع الأرض إلى بيت الله: مشاهد من ضيافة الحرمين وخدمة ضيوف الرحمن

26/05/2026 17:00

مع اقتراب موسم الحج كل عام، تتجه نفوس المسلمين إلى مكة المكرمة، حيث يشتاق القلب قبل الجسد إلى بيت الله الحرام، وتُجدد معاني الإيمان والمساواة والتجرد من شهوات الدنيا. إلا أن بعض التجارب تظل أعمق أثرًا من غيرها، ليس فقط لأنها تتعلق بأداء الركن الخامس من أركان الإسلام، بل لأنها تكشف للإنسان حجم العناية المقدَّمة لخدمة ضيوف الرحمن، وتُظهر كيف يمكن للتنظيم والإخلاص والإنسانية أن تتحد في كيان واحد.

برنامج ضيوف خادم الحرمين الشريفين

هذا العام حظيت بشرف أداء الحج ضمن برنامج “ضيوف خادم الحرمين الشريفين” للحج والعمرة والزيارة، وهو برنامج يفتح أبوابه للمسلمين من مختلف البلدان، من علماء ومفكرين وأئمة وشخصيات متنوعة، ليؤدوا مناسكهم في جو من الرعاية والتكريم. ما إن انطلقت الرحلة حتى أدركت أنني أمام تجربة تختلف عن كل ما سمعته أو قرأته مسبقًا.

تنوع إنساني مدهش

أولى ما لفت انتباهي منذ اللحظات الأولى كان التنوع الإنساني اللافت الذي اجتمع على مائدة واحدة، وعلى حافلة واحدة، داخل مكان واحد. رأيت نيجيريًا وكاميرونيًا، وأرجنتينيًا وإسبانيًا، وفرنسيًا وبريطانيًا، وألبانيًا وروسياً وطاجيكيًا، وغيرهم كثيرًا جاءوا من أركان الأرض الأربع، يحمل كل منهم قصةً ولغةً وثقافةً مختلفة، لكنهم جميعًا يرددون النداء ذاته: “لبيك اللهم لبيك”.

كان هذا الحج تجسيدًا حيًا لمعنى الأخوة الإنسانية والإسلامية في أنقى صورها. لم يسأل أحد الآخر عن لونه أو لغته أو جنسيته أو مكانته الاجتماعية؛ فالجميع ارتدى لباسًا موحدًا، وتوجه إلى قبلة واحدة، وسار نحو غاية واحدة. رأيت الإفريقي يبتسم للآسيوي، والعربي يساعد الأوروبي، وتحوَّلت اختلافات البشر إلى ثراء إنساني جميل، لا إلى حواجز أو تنافر.

ضيافة كريمة وعناية شاملة

منذ لحظة الوصول، شعرنا أننا لسنا مجرد وفود عابرة، بل ضيوف يُحظون بعناية صادقة. فقد استُقبلنا بالتمر والقهوة العربية والورود، في مشهد يعكس كرم الضيافة السعودي المتأصل في ثقافة هذا البلد المبارك. لم تكن هذه التفاصيل شكلية أو بروتوكولية فحسب، بل حملت رسالة واضحة: خدمة الحاج شرفٌ ومسؤولية قبل أن تكون واجبًا تنظيميًا.

خلال الرحلة لاحظت مستوىً عالٍ من التنظيم والدقة قد يفوق ما يتصوره كثيرون غير مطلعين على هذه الجهود عن قرب. فالتنقل بين الفندق والحرم كان متاحًا على مدار الساعة، بانسيابية ملحوظة رغم الأعداد الهائلة من الحجاج والزوار. الحافلات تحركت وفق جداول دقيقة، وكان المشرفون حاضرون باستمرار للإجابة عن الأسئلة ومتابعة احتياجات الحجاج، مما أعطى الجميع شعورًا بالطمأنينة.

ولم تقتصر العناية على السكن والتنقل فقط، بل شملت كل تفاصيل الحياة اليومية للحاج. فقد تم توفير الطعام والشراب، والخدمات الصحية، وحتى غسل الملابس كان من الخدمات المتاحة بصورة منظمة ومريحة. كما تكفل البرنامج بأجرة الهدي أو الأضحية، ما يعكس حجم الاهتمام بتخفيف الأعباء عن الحجاج ليتفرغوا للعبادة والخشوع.

جهود بشرية وإنسانية بارزة

تأملت الجهد الكبير وراء هذه المنظومة، وتخيلت حجم العمل الضخم الذي يقف خلفها: ملايين البشر يتحركون في أماكن محدودة وفي أوقات متقاربة، ومع ذلك يسير الأمر بانضباط وأمن وسلاسة. لا يُعزى هذا النجاح إلى الصدفة، بل هو ثمرة تخطيط طويل، خبرة متراكمة، استثمارات ضخمة، وإرادة صادقة في خدمة ضيوف الرحمن.

من أبرز ما أثار إعجابي هذا العام كان حسن تعامل رجال الأمن والقائمين على تنظيم حركة الحجاج داخل الحرم. فقد رأيت فيهم لياقةً وأدبًا وهدوءًا وصبرًا يستحق الإشادة. لم تكن مهمتهم سهلة؛ فهم يتعاملون مع حشود ضخمة، ومع اختلافات لغوية وثقافية، ومع حالات تعب وإرهاق طبيعية في مثل هذه المواسم، ومع ذلك حافظوا على ابتسامتهم وحسن تعاملهم.

تظل صورة أحد رجال الشرطة عالقة في ذهني. كان يقف عند نقطة بداية الطواف في الدور الأول من الحرم، يساهم في تنظيم حركة الطائفين ويُرشدهم بلطف، يكرر التعليمات مرات عديدة خلال ساعات دوامه الطويلة. ما شدّني حقًا هو أنه كان يشارك الطائفين التكبير بصوت بشوش، كأنما هو أحدهم يعبده قبل أن يؤدي وظيفته، قائلاً: “الله أكبر، الله أكبر” مشجعًا بابتسامة وإشارة يد، منظمًا الحركة في آن واحد. أُعبر له عن كل التقدير والاحترام.

تلك اللحظة التي وقف فيها الإنسان لساعات في الزحام والضجيج، ومع ذلك حافظ على أدبه وهدوئه وبشاشته، جعلتني أدرك أن نجاح مواسم الحج لا يعتمد فقط على التقنيات الحديثة والتنظيم الإداري، بل يرتكز أيضًا على العنصر البشري الإنساني، وعلى رجال ونساء يؤمنون بأن خدمة الحجاج عبادة وأمانة ومسؤولية عظيمة. إنهم صورة المملكة في الخارج، والحجاج سفراؤها.

تحسينات إدارية وتقنية

لا يمكن إغفال التطور الكبير الذي شهدته إدارة الحشود داخل الحرم والمشاعر المقدسة. فقد برزت التحسينات في مسارات التفويج، وآليات الدخول والخروج، وتوزيع الحجاج، واستخدام التقنيات الحديثة في المتابعة والتوجيه. كل ذلك ساهم في خلق أجواء أكثر راحة وأمانًا، وخفف كثيرًا من مظاهر الازدحام التي كانت تُذكر في سنوات سابقة.

تتعامل أطقم التسيير مع الحج كرسالة تاريخية ودينية وإنسانية، لذا تُطرح مشاريع جديدة وتطوير مستمر وخطط طموحة تهدف أولًا إلى خدمة الحجاج وتيسير أداء المناسك. إن خدمة ملايين البشر القادمين من ثقافات ولغات وخلفيات مختلفة ليست مهمة سهلة، لكن ما رأيناه هذا العام يعكس خبرة متراكمة وإدارة واعية وقدرة كبيرة على التعامل مع هذا الحدث الاستثنائي الذي لا يشبه أي تجمع بشري آخر في العالم.

شكر وتقدير

في خضم هذه الرحلة المباركة، لم يشعر المرء فقط بعظمة الشعيرة، بل شعر أيضًا بالامتنان لكل من ساهم في تسهيلها، من المسؤول الكبير إلى العامل البسيط، ومن رجل الأمن إلى سائق الحافلة، ومن المشرف الإداري إلى من يقدم للحاج كوب ماء أو تمرة أو ابتسامة صادقة. وفي الختام، أوجه خالص الشكر والتقدير للمملكة العربية السعودية، قيادةً وحكومةً وشعبًا، على هذه الدعوة الكريمة، وعلى ما يبذلونه من جهود عظيمة ومخلصة في خدمة ضيوف الرحمن. مَن لا يَشْكُرِ الناسَ لا يَشْكُرِ اللهَ.

صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *