سوريا بين نافذة أمريكية وألغام الفوضى الأمنية

منذ فترة طويلة لم تعد سوريا تبدو أقرب إلى استعادة وضعها الطبيعي كما هو واضح الآن. تتراجع العقوبات خطوة بخطوة، وتعيد العواصم العربية والعالمية فتح قنواتها مع دمشق، بينما تبعث الإدارة الأمريكية بإشارات غير مسبوقة عن رغبتها في استقرار البلاد وتحويل العلاقة مع القيادة السورية الجديدة إلى شراكة سياسية واقتصادية تمتد على المدى الطويل.
تصاعد الهجمات الإرهابية في العاصمة
في الوقت ذاته، عادت التفجيرات إلى دمشق؛ فحادث تفجير إرهابي وقع قرب إدارة التسليح التابعة لوزارة الدفاع السوري يوم الثلاثاء الماضي أسفر عن مقتل وإصابة نحو خمسة وعشرين شخصاً من بينهم عسكريون. وقبل ذلك بأيام، شهد حي الورود في العاصمة تفجيراً آخر. لا يمكن اعتبار هذين الحادثين مجرد واقعين أمنيين منفصلين، إذ تحمل الرسالة التي يحملها الفاعلون خلفهما وزنًا يفوق عدد الضحايا، حيث يسعى البعض إلى إظهار دمشق كساحة هشّة يمكن أن تُقضى فيها أية محاولات لبناء دولة مستقرة.
تأثير العنف على الثقة الدولية
تتجاوز أبعاد هذه الهجمات الحرب بالعبوات الناسفة لتستهدف صورة سوريا الجديدة. فالدولة التي تحاول النهوض من تحت الصفر تحتاج قبل كل شيء إلى ثقة المستثمر، وثقة المواطن، وثقة المجتمع الدولي بأن مرحلة الانهيار قد ولت. أي تفجير داخل العاصمة يضرب تلك الثقة مباشرة، حتى وإن كانت الخسائر الميدانية محدودة.
التحولات الأمريكية في السياسة السورية
المفارقة تكمن في أن هذه الهجمات تأتي في وقت تبدو فيه واشنطن أقرب إلى دمشق من أي وقت مضى. فإدارة الرئيس دونالد ترمب لا تخفي رغبتها في استقرار سوريا، ليس فقط على الصعيد الأمني بل والاقتصادي أيضاً. فقد أصدرت الولايات المتحدة يوم الجمعة «الأدلة الشاملة للمستثمرين في سوريا»، وأكدت السفارة الأمريكية في سوريا أن هذا التقرير هو الأكثر تفصيلاً المتاح للجمهور حول سوق سوريا، في إشارة إلى ثقة واشنطن بإمكان سوريا أن تصبح وجهة موثوقة للاستثمار المسؤول وريادة الأعمال والاندماج الاقتصادي.
العلاقة الشخصية التي نشأت بين الرئيس ترمب والرئيس أحمد الشرع تجاوزت الروتين الدبلوماسي، وتجلت في تفاصيل رمزية مثل إرسال ترمب عطراً آخر للشرع مكتوب عليه: «أحمد، الجميع يتحدث عن الصورة التي التقطناها عندما أهديتك هذا العطر الجميل، فقط في حال نفد منك»، إشارة إلى العطر الذي قدمه ترمب للشرع خلال زيارته الأولى إلى واشنطن في نوفمبر 2025.
التباين مع السياسة الإسرائيلية
الأهم من الرمزية هو التحول السياسي ذاته؛ فالولايات المتحدة التي كانت تاريخياً تميل إلى الرؤية الإسرائيلية في الملف السوري تبدو الآن أقل حماساً لمنطق خطر دمشق الذي تسعى إسرائيل إلى الترويج له. وفي ظل ميل واشنطن في عهد ترمب إلى اختبار إمكانية بناء علاقة استراتيجية مع سوريا الجديدة، تواصل إسرائيل تشديد موقفها من خلال توغلات متكررة داخل الأراضي السورية، بلغت ذروتها خلال الأسابيع الأخيرة بعمليات اعتقال وتخريب للأراضي الزراعية.
يبدو أن الجهة التي تقف وراء التفجيرات الحالية تسعى إلى ضرب لحظة نادرة قد لا تتكرر، إذ تواجه سوريا نافذة سياسية أمريكية صعبة الضمان بعد ترمب. ولا يزال داخل الإدارة الأمريكية وجود قوى تتعامل مع دمشق بعقلية «الضغط الدائم»، ساعية إلى الحفاظ على أدوات العقوبات والعزل السياسي.
التصنيف الأمريكي لسوريا وتأثيره الاقتصادي
في هذا السياق، نشرت صحيفة «المونيتور» تقريراً حول مراجعة واشنطن لتصنيف سوريا ك«دولة راعية للإرهاب». أظهر التقرير وجود تناقض داخل المؤسسات الأمريكية؛ فالمراجعة القانونية اكتملت والمسؤولون الأمريكيون صرحوا بأن سوريا لم تعد تدعم الإرهاب الدولي، لكن القرار النهائي لا يزال معلقاً بانتظار توقيع وزير الخارجية مارك روبيو.
بقاء سوريا على القائمة السوداء يعني بقاء اقتصادها خارج النظام المالي العالمي، حتى مع تخفيف العقوبات. فالشركات الكبرى لا تزال تخشى الاستثمار، والبنوك تتجنب التحويلات، وشركات التكنولوجيا ترفض دخول السوق السورية خوفاً من التعقيدات القانونية. ومن أبرز الأمثلة عدم تنفيذ صفقة لتزويد الحكومة السورية بعشرات الآلاف من التراخيص البرمجية من شركة مايكروسوفت بسبب قيود التصدير الأمريكية.
المستقبل بين خيارين: العزلة أو الانفتاح
القادة الأمريكيون يدركون أن المسألة لم تعد سياسية فقط، بل أصبحت مرتبطة بمستقبل إعادة بناء الدولة السورية. فإن تردد الشركات الغربية قد يفتح المجال أمام دول مثل الصين لتكون المرشح الأكثر جاهزية للدخول إلى سوريا، سواء عبر شركة هواوي أو عبر مشاريع البنية التحتية والاتصالات والطاقة.
بهذا يصبح الصراع على سوريا اليوم ليس مجرد مسألة حرب وسلام، بل صراع بين نموذجين: سوريا المعزولة المرهقة الخاضعة للفوضى الدائمة، وسوريا المنفتحة التي تتحول تدريجياً إلى ساحة استثمار وإعادة بناء. وتظهر التفجيرات الإرهابية كجهد واضح لتعطيل الانتقال من النموذج الأول إلى الثاني.
الرسالة الحقيقية ليست أن مجموعة ما تستطيع التفجير، بل أن هناك من يسعى لإقناع العالم بأن سوريا لم تصبح آمنة بعد، وأن الوقت لا يزال مبكراً على الاستثمار والانفتاح ورفع القيود. ومع ذلك، تثبت التجارب الحديثة أن الدول لا تنهض عندما تختفي التهديدات بالكامل، بل عندما تنجح في منع هذه التهديدات من تعطيل المسار السياسي والاقتصادي. وهذا يشكل التحدي الأكبر أمام دمشق اليوم: ألا تسمح لمن يريد إرجاعها إلى وضع «الدولة المؤقتة»، بينما تحاول للمرة الأولى منذ سنوات طويلة أن تدير الحاضر بصعوبة وتستعد لمستقبل يليق بمكانة السوريين وتضحياتهم.
صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة



