التطريز الفلسطيني: خيطٌ يُخيط الذاكرة وينسج المقاومة

دبي، الإمارات العربية المتحدة — لم يعد التطريز الفلسطيني مجرد زخرفة على ثوب نسائي، بل صار شهادة حية على هويةٍ لم تُمحَ، وذاكرةٍ لم تُطفَ، ومقاومةٍ لم تُخمَد. فمنذ النكبة، تحوّل هذا الفنّ العريق، الذي يمتدّ جذوره لقرون، من تعبيرٍ محلي عن الهوية乡土ية إلى أداة سياسية مقاومة، تُنسج خيوطها بيد نساءٍ لم تُسلَب منهنّ قدرتهنّ على التذكير بالمكان، حتى عندما حُرمنَ منه.
في قلب هذا التحوّل، يكمن اللون الماجنتا، ذلك اللون الذي “لا وجود له” في الطبيعة، وفقاً للفنان الفلسطيني أيهم حسن، الذي أطلق مشروعه الفني “IM-Mortal Magenta” ليطرح سؤالاً جوهرياً: كيف نُبقي على وجودٍ حين يُحاول الآخرون محوه؟ يرى حسن أن هذا اللون، الذي لا يُستخلص من أية نبتة أو معدن، بل يُصنع صناعياً، يحمل دلالةً رمزية عميقة: فهو يمثل ما لا يمكن القضاء عليه، رغم كل المحاولات، تمامًا كالهوية الفلسطينية.
التطريز الفلسطيني، كما تُوثّق الدراسات الأكاديمية والتراثية، لم يكن يومًا مجرد حِرفٍ منزلي. فتفاصيله — من ألوان الخيوط إلى أشكال الزهور والأنماط الهندسية — كانت مرآةً للمنطقة الجغرافية التي نسجت منها، فتُعرف المرأة من قريتها بخيوط ثوبها، وتُعرَف حالتها الاجتماعية — زوجةً أو أرملةً — من تفاصيل تطريزها. وقد تحوّلت هذه اللغة البصرية إلى لغةٍ مقاومة بعد عام 1948، حين أضافت النساء رموزًا سياسيةً — كالبطيخ، الذي تحاكي ألوانه علم فلسطين — إلى خيوطهنّ، لتصبح كل قطعة نسيجًا وثيقةً تروي قصة شعبٍ مُشرَّد، لكنه لم يُمحَ.
وأدركت المُنظمة الدولية أن هذا التراث لا يُحَفَظ بالمتاحف فحسب، بل يُصان بالاعتراف به كجزءٍ من إرث البشرية جمعاء. ففي عام 2021، أدرجت اليونسكو التطريز الفلسطيني ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، في خطوةٍ تاريخيةٍ تؤكد قيمة هذا الفنّ كأداةٍ للحفظ الجماعي، لا فقط كتحفةٍ فنية.
وفي الساحة الثقافية العالمية، ظهر هذا التراث بقوة. ففي عرض أزياء “Reemami” لموسم ربيع/صيف 2024، ارتدت الممثلة الفلسطينية-الكندية سجى كيلاني فستانًا مُصمَّمًا خصيصًا لها من المُصممة الأردنية ريما دحبور، يُzteّر بزخارف فلسطينية تقليدية عند خط العنق، ليصبح الفستان لحظةً فنيةً وسياسيةً في آنٍ واحد. وقد جاء هذا الظهور في سياق مبادرة أوسع، تشمل معارض في أوروبا والشرق الأوسط، أطلقتها الباحثة ديدمان، بعد دعوةٍ تلقّتها من المتحف الفلسطيني في بيرزيت عام 2014، لتوثيق هذا التراث ونشره عالميًا.
ويقول حسن إن “المنسوجات الفلسطينية ليست مجرد أشياء، بل هي شواهد حية تحمل في طيّاتها الجغرافيا، والنَّسب، والذاكرة”. وهو ما يُفهم منه أن كل خيطٍ مُطرَّز هو سطرٌ من تاريخٍ لا يُكتب بالقلم، بل بالخيط والneedle، وبصبرٍ جيلٍ بعد جيل.
فبينما يُحاوَل تغييب الفلسطينيين عن خريطة الأرض، يُعيد التطريز ترسيم خريطتهم — لا بالخرائط الجغرافية، بل بالخيوط الملونة التي لا تُمحى.
الخلاصة:
التطريز الفلسطيني اليوم ليس فنًّا فحسب، بل هو تذكيرٌ دائم بأن الوجود لا يُقاس بالسيطرة على الأرض، بل بالقدرة على حفظ الذاكرة. من الريف الفلسطيني إلى مدرجات الأزياء العالمية، ومن بيتٍ في غزة إلى متحفٍ في باريس، خيطٌ واحدٌ يُخيط هويةً لم تُكسر، وذاكرةً لم تُنسَ، ومقاومةً لم تنقطع.

صحيفة الرياض 24 ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *