مراكز البيانات السعودية.. سباق الذكاء الاصطناعي بين فاتورة الكهرباء وآفاق الاستثمار

مراكز البيانات السعودية.. سباق الذكاء الاصطناعي بين فاتورة الكهرباء وآفاق الاستثمار

لم يعد تطور الذكاء الاصطناعي محصورًا في تحسين النماذج والخوارزميات، بل صار مرهونًا بتوفر بنية تحتية هائلة تضم مراكز بيانات مجهزة بمعالجات فائقة الأداء، وشبكات اتصال متقدمة، وأنظمة تبريد معقدة، وإمدادات كهربائية لا تنقطع.

ومع تسارع الطلب على الحوسبة السحابية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، غدت هذه المراكز أحد المحركات الرئيسة للاستثمار في الاقتصاد الرقمي، وفي الوقت ذاته مصدرًا متصاعدًا لاستهلاك الطاقة. وفي المملكة، يشهد القطاع توسعًا لافتًا مدفوعًا بنمو الاستثمارات في البنية الرقمية واستقطاب الشركات المتخصصة؛ فقد قفزت القدرة التشغيلية للمراكز من 68 ميجاواط في 2021 إلى أكثر من 440 ميجاواط في 2025، بينما تجاوز عدد المراكز العاملة 60 مركزًا طورتها أكثر من 20 شركة، باستثمارات تفوق 16 مليار ريال، وفق بيانات نشرتها وكالة الأنباء السعودية في أبريل 2026.

يفرض هذا النمو المتسارع متطلبات جديدة على قطاع الطاقة تتمثل في تأمين الكهرباء بموثوقية عالية، وتوسعة الشبكات، ورفع كفاءة التشغيل والتبريد، في وقت تتنافس فيه الدول على جذب استثمارات المراكز القادرة على تشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتخزين البيانات ومعالجتها.

نمو متسارع في البنية الرقمية

تُعد الكهرباء أحد أكبر المتطلبات التشغيلية لمراكز البيانات، إذ تعمل الخوادم والمعالجات على مدار الساعة لمعالجة البيانات وتشغيل التطبيقات، فيما تحتاج المنشآت إلى أنظمة تبريد دائمة للحفاظ على درجات حرارة آمنة للمعدات. وأظهرت دراسة لمركز الملك عبدالله للدراسات والبحوث البترولية «كابسارك» أن مراكز البيانات في المملكة استهلكت نحو 2.8 تيراواط ساعة من الكهرباء خلال 2024، بما يعادل 0.85% من إجمالي الاستهلاك الوطني في ذلك العام.

اقرأ أيضاً: استعلام وسداد فاتورة الكهرباء بالسعودية اون لاين

غير أن التحدي الأكبر يكمن في السنوات المقبلة مع اتساع المنشآت المخصصة للذكاء الاصطناعي وارتفاع كثافة الخوادم والمعالجات داخلها. ورسمت الدراسة ثلاثة سيناريوهات للاستهلاك في 2030: يبدأ أولها من 10.2 تيراواط ساعة سنويًا في حالة النمو المنخفض، ويرتفع إلى 20.15 تيراواط ساعة في السيناريو المتوسط، ليصل إلى 42.2 تيراواط ساعة في سيناريو النمو المرتفع. وبناءً على هذه المسارات، قد تتراوح حصة المراكز من الطلب الوطني المتوقع على الكهرباء في 2030 بين 2.8% و11.55%، حسب سرعة تنفيذ المشروعات وحجم القدرات المضافة ومعدلات استخدامها.

الكهرباء.. تحدٍ يتصاعد مع التوسع

في المقابل، تفتح الزيادة في الطلب آفاقًا استثمارية واسعة تشمل إنشاء المنشآت وتجهيزها بالخوادم والمعالجات، وتطوير شبكات الألياف البصرية، وتوفير أنظمة التبريد والطاقة الاحتياطية، إلى جانب خدمات الاستضافة والحوسبة السحابية. وتجاوزت الاستثمارات 16 مليار ريال مع وجود أكثر من 60 مركزًا طورتها أكثر من 20 شركة، وفق بيانات وكالة الأنباء السعودية الصادرة في أبريل 2026، في مؤشر على اتساع السوق وتدفق المزيد من الشركات إلى قطاع البنية التحتية الرقمية.

ومن التحركات البارزة، وقعت وزارة الاستثمار ومركز برنامج «شريك» اتفاقيتين مع الشركة السعودية للطاقة وشركة ضوئيات المتكاملة للاتصالات وتقنية المعلومات، لتمكين إنشاء مركز بيانات من المستوى الثالث (Tier III)، مستهدفين تعزيز البنية الرقمية وتوطين البيانات ورفع قدرة المملكة على استقطاب الاستثمارات المتخصصة. كما أعلن صندوق البنية التحتية الوطني وشركة «HUMAIN» في يناير 2026 إطارًا تمويليًا استراتيجيًا تصل قيمته إلى 1.2 مليار دولار، لدعم تطوير بنية تحتية للذكاء الاصطناعي ومراكز بيانات بقدرة تصل إلى 250 ميجاواط. ويهدف الاتفاق إلى دعم توسع الشركة في إنشاء مراكز فائقة الحجم مخصصة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها، مع بحث تأسيس منصة استثمارية مشتركة لجذب المستثمرين المحليين والدوليين، علماً أن الاتفاق يمثل إطارًا تمويليًا بشروط غير ملزمة، ولا يعني صرف كامل المبلغ أو دخول القدرة المستهدفة حيز التشغيل فعليًا.

اقرأ أيضاً: السعودية تطلق أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة لإدارة حشود الحجاج في مؤتمر الحج 2026

وعلى صعيد التمويل، أطلق صندوق البنية التحتية الوطني برنامجًا مخصصًا لتمويل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، يستهدف تسريع تطوير بنية تحتية جاهزة للحوسبة المتقدمة، وجذب الاستثمارات إلى المشروعات المستوفية للمتطلبات الفنية والتشغيلية، ومن بينها معايير كفاءة الطاقة والقدرة التشغيلية والارتباط بشبكات الاتصالات.

استثمارات نوعية واتفاقيات تمويلية

لا تتحدد تكلفة تشغيل المراكز بحجم الكهرباء المستهلكة في الخوادم وحدها، إذ تمثل أنظمة التبريد عنصرًا محوريًا في تصميم المنشآت وتشغيلها، لا سيما في المناطق ذات الحرارة المرتفعة. وتحتاج المراكز إلى أنظمة تحافظ على درجات حرارة ملائمة للمعدات، وقد يؤدي ضعف كفاءة التبريد إلى زيادة استهلاك الكهرباء وارتفاع تكاليف التشغيل. كما تبرز أهمية إدارة المياه في بعض تقنيات التبريد، ما يفرض موازنة بين كفاءة الطاقة والموارد المائية والاحتياجات التشغيلية.

ومن المؤشرات العالمية لقياس الكفاءة معامل كفاءة استخدام الطاقة (PUE)، الذي يقارن إجمالي الطاقة المستهلكة في المنشأة بالطاقة التي تستخدمها معدات تقنية المعلومات. وكلما اقترب المؤشر من الواحد الصحيح، دل ذلك على كفاءة أعلى، مع مراعاة اختلاف ظروف التشغيل والتصميم. وفي هذا الإطار، وضع برنامج تمويل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي التابع لصندوق البنية التحتية الوطني معيارًا استرشاديًا للكفاءة لا يتجاوز 1.4، إلى جانب اشتراطات تتعلق بالاستدامة والمعايير الفنية، في مسعى لربط التوسع الاستثماري بكفاءة التشغيل. وتتجه بعض المشروعات إلى الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة وتقنيات تبريد أكثر كفاءة، لكن تقييم الأثر البيئي لأي مركز يتطلب النظر إلى مصدر الكهرباء المستخدم، وكفاءة المنشأة، واستهلاك المياه، وعدم الاكتفاء بالإعلانات المتعلقة بالطاقة النظيفة.

اقرأ أيضاً: الهيئة العامة للعناية بالمسجدين تطوِّر مركزاً ذكياً للقيادة والتحكم يراقب أصول المسجد النبوي هندسياً على مدار الساعة

كفاءة التبريد والطاقة.. معيار الاستدامة

لا يقتصر نمو الاستهلاك على المراكز السعودية، بل يمثل اتجاهًا عالميًا متسارعًا مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي. وحسب وكالة الطاقة الدولية، ارتفع استهلاك المراكز للكهرباء عالميًا بنسبة 17% خلال 2025، مقابل نمو إجمالي الطلب العالمي بنحو 3% في العام نفسه. كما تجاوز الإنفاق الرأسمالي لخمس شركات تكنولوجية كبرى 400 مليار دولار في 2025، مع توقعات بارتفاعه بنسبة 75% إضافية خلال 2026، في ظل توسع استثماراتها في المراكز والبنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

وتشير الوكالة إلى أن استهلاك المراكز قد يتضاعف بحلول 2030، بينما يمكن أن يرتفع استهلاك المراكز المخصصة للذكاء الاصطناعي بوتيرة أسرع. غير أن هذا التوسع يواجه قيودًا تتعلق بتوافر المحولات والتوربينات والرقائق ومعدات الشبكات، فضلًا عن طول إجراءات التخطيط وربط المنشآت الجديدة بشبكات الكهرباء. وتعني هذه التحديات أن المنافسة على الاستثمار في الذكاء الاصطناعي لم تعد تقتصر على امتلاك الرقائق والنماذج المتقدمة، بل تمتد إلى القدرة على توفير الكهرباء والبنية التحتية اللازمة لتشغيلها، وهو ما يمنح الدول التي تمتلك موارد طاقة وشبكات اتصال ومواقع استراتيجية فرصًا إضافية لجذب المشروعات.

المنافسة العالمية تفرض معادلات جديدة

يمثل توسع مراكز البيانات فرصة لتعزيز الاقتصاد الرقمي وتوطين خدمات الحوسبة والبيانات وجذب الشركات العالمية، لكنه يفرض في المقابل متطلبات تتعلق بتوفير الطاقة وتطوير الشبكات ورفع كفاءة استخدام الكهرباء والمياه. وفي المملكة، تكشف زيادة القدرة التشغيلية للمراكز وحجم الاستثمارات المعلنة عن توسع سريع في السوق، بينما توضح تقديرات كابسارك أن الطلب الكهربائي قد يتخذ مسارات مختلفة حتى نهاية العقد، تبعًا لحجم المشروعات التي ستدخل الخدمة ومدى الاعتماد على تقنيات أكثر كفاءة.

ومن ثم، لا يتوقف نجاح استراتيجية التوسع على حجم الاستثمارات المعلنة أو عدد المنشآت فقط، بل يرتبط بقدرة القطاع على تحويل المشروعات إلى أصول تشغيلية منتجة، وضمان توافر الطاقة اللازمة لها، والحد من تكاليف التبريد، وتحقيق توازن بين النمو الرقمي والاستدامة. فكلما زادت قدرة المراكز على تشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي بكفاءة أعلى واستهلاك أقل للطاقة، ارتفعت فرص تحقيق عائد اقتصادي من الاستثمارات، وتراجعت الضغوط الإضافية على منظومة الكهرباء والموارد. وهنا تتحدد المعادلة الأساسية للقطاع: ليس فقط بناء مراكز بيانات أكبر، بل تشغيلها بكفاءة تجعل فاتورة الذكاء الاصطناعي قابلة للاستدامة اقتصاديًا وطاقيًا.

المزيد في قسم محليات

شارك الخبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *