جدة تستضيف المؤتمر السعودي البحري واللوجستي 2026 بمشاركة أكثر من 15 ألف خبير

ترأس المهندس فواز بن زنعاف السهلي، رئيس الهيئة العامة للنقل، صباح الأربعاء فعاليات افتتاح المؤتمر السعودي البحري واللوجستي 2026 في مدينة جدة، في حدث يمتد ليومين ويناقش آفاق القطاع تحت تأثير التبدلات الاقتصادية والجيوسياسية العالمية. ويجمع المؤتمر نخبة من القيادات والمختصين في مجالي النقل البحري والخدمات اللوجستية.
رقم المشاركة ومستوى التمثيل الدولي
تحتضن قاعة جدة سوبر دوم جلسات المؤتمر خلال يومي 21 و22 أكتوبر 2026. وتكشف المنصة الإلكترونية الرسمية عن أرقام النسخة الحالية التي تتجاوز 15 ألف مشارك وأكثر من 120 متحدثًا، إلى جانب ما يزيد على 200 شركة دولية تعرض أحدث المعدات البحرية والخدمات اللوجستية.
استمرارية التجارة وسلاسل الإمداد في بؤرة النقاش
وجّه المهندس فواز بن زنعاف السهلي في كلمته الافتتاحية رسالة زمنية واضحة، مشيرًا إلى أن المؤتمر ينعقد في وقت تمر فيه التجارة العالمية وسلاسل الإمداد بتحولات متسارعة. ويفسر المستورد والمشغل هذه الإشارة على أنها محور أساسي في أجندة المؤتمر: البحث عن مسارات بديلة عند حدوث أي اضطراب، وطاقة استيعابية للموانئ قادرة على التعامل مع عمليات التحويل، وربط بري ينقل الشحنة إلى وجهتها النهائية.
وأضاف السهلي في كلمته أن المملكة وضعت تطوير قطاع النقل والخدمات اللوجستية كأولوية إستراتيجية ضمن رؤية السعودية 2030، عبر الإستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية. ويتمثل الهدف العملي للمؤتمر، وفق بيان الافتتاح، في تعزيز التكامل بين الموانئ وشبكات النقل والأسواق العالمية، بحيث تتحرك الشحنة عبر أنماط نقل متصلة بدلًا من محطات منفصلة.
أرقام المرونة التشغيلية والمسارات البديلة
حملت الكلمة الافتتاحية رقمين يعكسان فكرة المرونة التي يدور حولها المؤتمر. إذ أعلن المهندس فواز بن زنعاف السهلي أن المنظومة أطلقت أكثر من 33 خدمة ملاحية بحرية جديدة منذ بداية المتغيرات في المنطقة، وأن أكثر من 500 ألف شاحنة تربط الموانئ بالمصانع والمستودعات بين مدن المملكة ودول الخليج. ووصف أداء المنظومة بأنه يتمتع بـ«جاهزية ومرونة تشغيلية».
ويقرأ الشاحن هذين الرقمين كدلالة على اتساع خيارات ميناء الوصول وخيارات الطريق البري التالي عند تغير المسار البحري. وتجد هذه الفكرة تطبيقًا ملموسًا في مبادرة المسارات اللوجستية من موانئ الساحل الغربي، التي أُعلنت في مارس 2026 لتوفير ممرات تشغيلية مخصصة لاستقبال الحاويات والبضائع المحولة. ووصفت في بيانها الرسمي بأنها تفعيل لممرات لوجستية بديلة لضمان استمرار حركة التجارة وسلاسل الإمداد في المنطقة.
ويستند هذا التفعيل إلى طاقة استيعابية لموانئ البحر الأحمر تتجاوز 18.6 مليون حاوية قياسية سنويًا، وعلى رأسها ميناء جدة الإسلامي الذي يعد أكبر ميناء محوري على البحر الأحمر. وقد رصدت صحيفة الوئام في مارس 2026 إضافة خدمة الشحن الجديدة JADE ضمن تعزيز الربط مع آسيا، في ميناء تضم منصته محطات متخصصة بطاقة استيعابية تصل إلى نحو 130 مليون طن، مما يمنح الخطوط الملاحية سببًا تشغيليًا ملموسًا لإضافة توقفاتها على الساحل الغربي.
تنافسية الموانئ والخطوط الملاحية
تضع أجندة المؤتمر موضوع «تنافسية الموانئ والخطوط الملاحية» في صلب محاورها الإستراتيجية. وتدير المنظومة المحلية من خلال هذه الزاوية نصيبها من تكلفة الشحنة: زمن بقاء الحاوية في المحطة، وسرعة اكتمال إجراءاتها، ودقة تبادل بياناتها بين المشغل والجهة الحكومية ووكيل الشحن. ويعمل على هذا المستوى نظام مجتمع الموانئ الذي أطلقته الهيئة العامة للموانئ، مستهدفًا توفير أكثر من 250 خدمة إلكترونية في الموانئ، عبر أتمتة كافة العمليات التشغيلية في منصة رقمية موحدة صُممت وفق أفضل المعايير الدولية.
ويصل محور التنافسية في الأجندة ذاتها إلى «مستقبل الموانئ بوصفها منظومات صناعية ولوجستية متكاملة»، بحيث يقترب التخزين والتجميع وإعادة التصدير من الرصيف، وتقصر بذلك الحلقة الزمنية بين تفريغ الحاوية وخروجها إلى المصنع أو المستودع. وهذه الحلقة يلمس المستورد أثرها في زمن وصول بضائعه القابلة للبيع.
منطقة الخُمرة في جدة على طاولة الاستثمار
في يوم الافتتاح نفسه، أعلنت الهيئة العامة للموانئ «موانئ» فتح باب إبداء الاهتمام بالفرصة الاستثمارية لتطوير وتشغيل المنطقة اللوجستية المتكاملة بالخُمرة في مدينة جدة، على مساحة إجمالية تبلغ 2.4 مليون متر مربع. ودعت الهيئة المطورين والمشغلين وشركات الشحن والخطوط الملاحية والشركات اللوجستية إلى تسجيل اهتمامهم حتى تاريخ 20 نوفمبر 2026.
ويحمل التزامن بين انعقاد المؤتمر وطرح الفرصة رسالة واحدة للمستثمر الحاضر في جدة: الطرح الاستثماري يجري في المدينة نفسها التي تستضيف الحوار. وتستند المنطقة، بحسب بيان الهيئة، إلى موقع على الساحل الغربي يتيح وصولًا سلسًا إلى أسواق أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط، وتستفيد من الممر اللوجستي المباشر والبنية التحتية المتقدمة لميناء جدة الإسلامي، وتتصل بسبعة موانئ رئيسة على الساحل الغربي، إلى جانب ارتباطها بمطار الملك عبدالعزيز الدولي وقربها من مشروع الجسر البري. وتجمع هذه الروابط في موقع واحد أنماط النقل البحري والجوي والبري والسككي التي يبحث المؤتمر تكاملها.
وأوضح رئيس الهيئة العامة للموانئ المهندس سليمان بن خالد المزروع أن طرح الفرصة يأتي ضمن جهود «ترسيخ مكانة المملكة مركزًا لوجستيًا عالميًا ومحورًا يربط القارات الثلاث»، مبينًا أن المنطقة ستُشكّل إحدى الركائز الرئيسة لدعم حركة التجارة العالمية وعمليات إعادة التصدير، بما يعزز جاهزية الموانئ السعودية لاستيعاب النمو المتسارع في حركة الشحن. ويبقى الطرح في طور إبداء الاهتمام، ويقيس السوق جديته في الأشهر المقبلة بحجم الطلبات المسجلة قبل إغلاق الموعد.
أمن الممرات البحرية والوقود البديل وسلامة البحارة
يتصدر ملف أمن الممرات البحرية وسلامة الملاحة واستمرارية تدفق التجارة رسائل كلمة الافتتاح. وهو المدخل الذي يقرأ من خلاله مشغل الناقلة ووكيل الشحن أي اضطراب مقبل: مسار آمن تعبره السفن بزمن رحلة قابل للحساب، ومخاطر تُدار جماعيًا بين الدول والمشغلين قبل أن تتحول إلى تأخير على الرصيف. وتتناول الجلسات في السياق نفسه التحول نحو الوقود البديل، وتعزيز سلامة البحارة وحمايتهم، فيحضر مستقبل الشحن بوصفه قرار تشغيل أسطول لسنوات مقبلة وكفاية طواقم تحفظ انتظام الرحلات، وهي عناصر تدخل في حساب الخط الملاحي عند اختيار موانئ التوقف وجدولة خدماته الأسبوعية.
منظومة لوجستية وطنية واقتصاد بحري وسياحة ساحلية
تتضمن أعمال اليوم الثاني من المؤتمر، غدًا الخميس، مناقشات حول بناء منظومة لوجستية وطنية متكاملة، وملفات مستقبل الاقتصاد البحري، إضافة إلى استعراض الفرص الواعدة للسياحة البحرية والساحلية في البحر الأحمر. وينتقل بذلك نقاش اليوم الأول من أمن المسار وطاقة الميناء إلى اقتصاد بحري أوسع يصل الشحن بالصناعة والسياحة الساحلية.
ويُنتظر أن تسهم مخرجات المؤتمر في تعزيز التعاون بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والشركاء الدوليين، بحسب بيان الافتتاح، ليتحول الحوار إلى شراكات وخدمات إضافية يلمسها الشاحن في مواعيد إبحار أكثر انتظامًا. وبهذا تعرض جدة في يومها الأول موقع السعودية عقدة قرار في خريطة الشحن: ممرًا تستطيع التجارة أن تعبره عند الاضطراب، ومنظومة تصنع بدائلها بخدمات جديدة ومناطق لوجستية ورقمنة ميناء.






