السعودية تتصدر عالمياً في تأمين توجيه حركة الإنترنت بنسبة 99.8%

السعودية تتصدر عالمياً في تأمين توجيه حركة الإنترنت بنسبة 99.8%

كيف يعمل الحارس الرقمي؟

عندما تستعمل تطبيقاً مصرفياً أو تتصفح موقعاً إلكترونياً، قد تحاول شبكة أخرى إقناع النظام بأنها المسار الصحيح للوصول إلى خوادم الخدمة. هذا الموقف يبرز أحد التحديات الأمنية التي تواجه البنية التحتية للإنترنت عالمياً، حيث لا تقتصر المخاطر على اختراق الأجهزة وسرقة كلمات المرور، بل تشمل أيضاً الطرق التي تسلكها البيانات أثناء تنقلها بين الشبكات.

عند فتح موقع إلكتروني، لا تنتقل البيانات عبر وصلة مباشرة بين الجهاز والخادم، بل تمر عبر شبكة من الشبكات المتصلة التي تشارك معلومات عن المسارات المتاحة للوصول إلى عناوين الإنترنت. هذه العملية تعتمد على بروتوكول يُسمَّى «BGP»، وهو أحد الأسس الأساسية لتوجيه حركة البيانات بين الشبكات حول العالم. ومع ذلك، فإن هذا النظام يواجه ثغرة أمنية تسمح بإعلان شبكة ما، سواء عن طريق الخطأ أو بقصد، أنها تمتلك مسارًا للوصول إلى عناوين غير مخولة لها بالإعلان عنها. وتُسمَّى هذه الظاهرة أحيانًا «اختطاف مسارات الإنترنت»، وقد تؤدي إلى تعطيل الوصول إلى الخدمات الإلكترونية أو توجيه البيانات عبر مسارات غير مقصودة.

للتعامل مع هذه المشكلة، تُعتمد تقنية RPKI التي تستند إلى شهادات وتفويضات رقمية تمنح مالكي موارد عناوين الإنترنت الحق في تحديد الشبكات المسموح لها بالإعلان عن تلك العناوين. ثم يأتي دور آلية التحقق من مصدر المسار «RoV»، التي تمكّن مشغلي الشبكات من مقارنة إعلانات التوجيه بالتفويضات المسجلة وتحديد ما إذا كان الإعلان صحيحاً أو غير صحيح أو غير معروف. عندما تتبنى الشبكات سياسة رفض الإعلانات غير الصحيحة، تستطيع الحد من انتشار بعض المسارات المزيفة أو الخاطئة. ويمكن تشبيه الأمر بشحنة تحمل عنواناً محدداً: لا يكفي أن يدّعي أي شخص أنه المسؤول عن استلامها، بل يجب التأكد من حيازته للتفويض المناسب.

ما معنى نسبة 99.8%؟

في أكتوبر 2026، أعلنت هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية السعودية أن المملكة حققت المركز الأول عالمياً في مؤشر تفعيل تقنية «RPKI RoV»، بنسبة بلغت 99.8% وفقاً لقياسات مركز معلومات شبكة آسيا والمحيط الهادئ «APNIC». تظهر بيانات APNIC الخاصة بالسعودية أن النسبة تقارب 99.8% في قياس تصفية مسارات الإنترنت غير الصحيحة، وهو مؤشر يُستند إلى اختبارات وعينات ترصد مدى حماية المستخدمين من المسارات التي تخالف التحقق. ومع ذلك، لا يعني هذا الرقم أن 99.8% من جميع البيانات المتدفقة داخل المملكة أصبحت آمنة من كل أنواع الهجمات السيبرانية، ولا أن جميع الشبكات محصنة ضد الاختراق. فالمؤشر يقيس جانباً محدّداً من حماية مسارات الإنترنت، وليس مستوى الأمن السيبراني بكل مكوناته.

المكاسب والمؤشرات الرقمية الأخرى

على الرغم من أن المستخدم العادي قد لا يلاحظ تأثير هذه التقنية مباشرةً لأنها تعمل على مستوى البنية التحتية للشبكات وليس عبر تطبيق ظاهر على الهاتف، إلا أن التحقق من مسارات البيانات يساهم في تقليل مخاطر انقطاع الاتصال الناتجة عن أخطاء التوجيه ويحد من فرص تحويل حركة الإنترنت بسبب إعلانات مسارات غير مصرّح بها. وتصبح هذه الحماية أكثر أهمية للخدمات التي تتطلب اتصالاً مستمراً مثل المنصات الحكومية والتجارة الإلكترونية والخدمات المالية والأنظمة الرقمية للمؤسسات. ولا يعني ذلك أن التقنية تمنع الاحتيال الإلكتروني أو سرقة كلمات المرور أو البرمجيات الخبيثة؛ فهذه المخاطر تحتاج إلى أدوات وإجراءات أمنية منفصلة.

ولم يأت إعلان تصدر المملكة مؤشر حماية مسارات الإنترنت بمعزل عن تطورات أخرى في بنيتها الرقمية. وفقاً لهيئة الاتصالات والفضاء والتقنية، احتلت السعودية مكاناً ضمن أعلى خمس دول عالمياً في مؤشر تبني الإصدار السادس من بروتوكول الإنترنت «IPv6»، الذي يوفر بنية حديثة لعناوين الشبكات ويدعم التوسع في الأجهزة والخدمات المتصلة. كما حققت المركز الأول بين دول مجموعة العشرين في مؤشر التحقق من امتدادات أمن نظام أسماء النطاقات «DNSSEC»، التي تساعد على التأكد من صحة معلومات أسماء النطاقات وحمايتها من بعض أنواع التلاعب. وعلى الرغم من اختلاف وظيفة كل تقنية، فإنها تمثل أجزاء متكاملة في تطوير كفاءة منظومة الإنترنت وموثوقيتها.

مع توسع الخدمات الحكومية الإلكترونية والتطبيقات المالية والتجارة الرقمية، تصبح موثوقية البنية التحتية للإنترنت عاملاً حاسماً لاستمرار الخدمات وتقليل احتمالات التعطل. وتشير المعايير التقنية الصادرة عن جهات متخصصة مثل المركز الأمريكي الوطني للمعايير والتكنولوجيا «NIST» إلى أن استخدام RPKI للتحقق من مصادر المسارات يساعد على الحد من بعض أخطاء التوجيه والهجمات المرتبطة باختطاف المسارات. ومن هذا المنظور، فإن التقدم في مؤشرات حماية التوجيه لا يرتبط فقط بسرعة الإنترنت، بل بقدرة الشبكات على تبادل المعلومات بطريقة أكثر انضباطاً وموثوقية.

رغم أهمية التقدم السعودي، تؤكد الهيئات التقنية الدولية أن RPKI RoV ليست حلاً شاملاً لجميع مشكلات أمن الإنترنت. فهي تتحقق أساساً من صلاحية الشبكة المعلنة بوصفها مصدراً للمسار، لكنها لا تتحقق من سلامة جميع الشبكات الوسيطة التي قد تمر خلالها البيانات، كما أنها لا تحل محل التشفير وأنظمة الحماية من الهجمات الإلكترونية. لهذا السبب، تظل حماية البنية التحتية الرقمية عملية مستمرة تتطلب التكامل بين تقنيات توجيه الشبكات، وأمن أسماء النطاقات، ومراقبة الهجمات، وحماية الأنظمة والخدمات.

تكمن أهمية ما حققته السعودية في أن جانباً كبيراً من أمن الإنترنت لا يظهر للمستخدم، ولا يُقاس فقط بسرعة تحميل الصفحات أو جودة اتصال الهاتف، بل يعتمد على أنظمة تقنية تعمل خلف الشاشات. وبينما تتسابق الدول على تطوير التطبيقات والخدمات الرقمية، يبرز سباق آخر أقل ظهوراً يتعلق بحماية المسارات التي تنتقل عبرها البيانات. وفي هذا السباق، وضعت نتيجة السعودية البالغة 99.8% المملكة في صدارة مؤشر دولي متخصص، لتقدم نموذجاً لأهمية الاستثمار في حماية البنية التحتية التي يقوم عليها الاقتصاد الرقمي.

شارك الخبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *