الحكومة الرقمية بين الرياض وأبوظبي: قراءة في تجربتين

الحكومة الرقمية بين الرياض وأبوظبي: قراءة في تجربتين

لم يعد إنجاز المعاملة الحكومية في الرياض أو أبوظبي يعني بالضرورة الوقوف في طابور أو حمل ملف من الأوراق بين المكاتب. فخلال السنوات الأخيرة قطعت المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات شوطا واسعا في نقل الخدمات العامة إلى المنصات الرقمية والتطبيقات الذكية، حتى أصبح الهاتف المحمول بالنسبة إلى كثير من المواطنين والمقيمين البوابة الأولى للتعامل مع الجهات الحكومية.

وتقدم التجربتان نموذجين متقاربين في الهدف ومختلفين في بعض التفاصيل، ما يجعل المقارنة بينهما مفيدة لفهم اتجاهات التحول الرقمي في المنطقة. ويتابع القراء المهتمون بالشأن الإماراتي هذا الملف عبر منصات اخبار الامارات التي ترصد إطلاق الخدمات الجديدة وتحديثات المنصات الحكومية، إلى جانب تغطية الإعلام السعودي للمبادرات المماثلة في المملكة.

التجربة السعودية: منصات متخصصة تجمعها هوية رقمية واحدة

تقوم التجربة السعودية على عدد من المنصات الكبرى التي تخدم كل منها مجالا واسعا من الخدمات. فمنصة «أبشر» التابعة لوزارة الداخلية أصبحت منذ سنوات الوجهة الرئيسية لخدمات الجوازات والأحوال المدنية والمرور وشؤون العمالة المنزلية، سواء للأفراد أو للمنشآت، وأسهمت في تقليص الحاجة إلى مراجعة المكاتب في معاملات كثيرة.

أما تطبيق «توكلنا» فقد ظهر في البداية خلال جائحة كورونا أداة لإدارة التنقل والتصاريح الصحية، ثم تطور بعد انحسار الجائحة إلى تطبيق خدمي شامل يضم الوثائق الرقمية وطيفا متزايدا من الخدمات الحكومية، تحت إشراف الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا». ويربط بين هذه المنصات وغيرها نظام «النفاذ الوطني الموحد» الذي يتيح للمستخدم الدخول إلى عشرات الخدمات بهوية رقمية واحدة.

وتجمع المنصة الوطنية الموحدة دليلا للخدمات الحكومية في المملكة، تساعد المستخدم على الوصول إلى الخدمة المطلوبة ومعرفة الجهة المقدمة لها، في إطار يشرف على تنظيمه عدد من الجهات المعنية بالحكومة الرقمية.

ولم تأت هذه المرحلة من فراغ، فقد سبقتها سنوات من العمل على التعاملات الإلكترونية الحكومية عبر برنامج «يسّر»، الذي أسهم في بناء الأسس التقنية والتنظيمية لربط الجهات ببعضها، قبل أن تُنشأ هيئة الحكومة الرقمية لتتولى تنظيم هذا القطاع ورفع جودة خدماته. ويرتبط هذا المسار بمستهدفات رؤية المملكة 2030 التي تضع كفاءة العمل الحكومي وتحسين تجربة المستفيد في صدارة أولوياتها.

تجربة أبوظبي: منصة «تم» ومفهوم النافذة الواحدة

في أبوظبي، اتجهت الحكومة إلى نموذج يقوم على فكرة النافذة الواحدة، من خلال منصة «تم» التي تجمع في تطبيق وموقع واحد عددا كبيرا من خدمات الجهات المحلية، من السكن والمرافق إلى المركبات والأعمال التجارية وشؤون الأسرة. ويستطيع المستخدم عبر منصة تم الحكومية متابعة طلباته وسداد الرسوم والحصول على المساعدة الرقمية دون التنقل بين مواقع الجهات المختلفة.

وعلى المستوى الاتحادي، تؤدي «الهوية الرقمية الإماراتية» (UAE PASS) دورا مشابها لدور «نفاذ» في السعودية، إذ تتيح الدخول إلى منصات حكومية اتحادية ومحلية في مختلف الإمارات بحساب واحد، مع إمكانية التوقيع الرقمي على بعض المستندات. ويعني ذلك أن المقيم في أبوظبي يتعامل عمليا مع طبقتين: خدمات محلية تجمعها «تم»، وخدمات اتحادية تصلها الهوية الرقمية ذاتها.

ويلاحظ المستخدم في أبوظبي أن المنصة لم تعد تكتفي بعرض الخدمات، بل باتت تنظمها حول ما يُعرف بـ«رحلات المتعامل»، أي تجميع الإجراءات المرتبطة بحدث حياتي واحد، مثل الانتقال إلى مسكن جديد أو تأسيس نشاط تجاري، في مسار متصل بدلا من معاملات منفصلة لدى جهات مختلفة. ويقلل هذا الأسلوب من الحاجة إلى تكرار إدخال البيانات، ويختصر الوقت الذي يقضيه المتعامل في التنقل بين الإجراءات.

أوجه التشابه والاختلاف

تتقاطع التجربتان في عدد من المبادئ الأساسية، أبرزها:

  • الاعتماد على هوية رقمية موحدة تختصر عناء تعدد الحسابات وكلمات المرور.
  • التحول من تقديم الخدمة عند الطلب إلى الخدمات الاستباقية التي تذكّر المستخدم بمواعيد التجديد والاستحقاق.
  • إتاحة الوثائق الرسمية بصيغة رقمية معتمدة على الهاتف.
  • توسيع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والمساعدات الرقمية في الإجابة عن استفسارات المتعاملين.

أما الاختلاف فيتعلق أساسا بطريقة التنظيم؛ إذ تميل التجربة السعودية إلى منصات قطاعية كبيرة لكل منها جمهورها الواسع، يجمعها نظام دخول موحد ودليل وطني للخدمات، بينما تميل تجربة أبوظبي إلى تجميع خدمات الجهات المحلية في واجهة واحدة. ويعكس هذا الاختلاف طبيعة كل دولة؛ فالمملكة دولة مترامية الأطراف ذات تعداد سكاني كبير وجهات خدمية واسعة الانتشار، فيما تعمل أبوظبي ضمن نظام اتحادي تتوزع فيه الخدمات بين المستويين المحلي والاتحادي.

التحديات المشتركة وما ينتظر المستخدم

رغم التقدم الواضح، تواجه التجربتان تحديات متشابهة، في مقدمتها الشمول الرقمي، أي ضمان وصول الخدمات إلى كبار السن ومن لا يجيدون استخدام التطبيقات، وهو ما يفسر استمرار وجود مراكز الخدمة وقنوات الدعم الهاتفي. ويضاف إلى ذلك تحدي الأمن السيبراني وحماية البيانات الشخصية، في ظل تركز كم كبير من المعلومات الحساسة في منصات محدودة.

وبالنسبة إلى المستخدم، فإن أفضل ما يمكن فعله هو تفعيل هويته الرقمية، وتحديث بيانات التواصل في المنصات الرسمية، والحذر من الرسائل والروابط التي تنتحل صفة هذه الجهات لسرقة بيانات الدخول. ولمتابعة الخدمات الجديدة والتحديثات التنظيمية في المملكة، يمكن الرجوع إلى منصات اخبار السعودية التي تغطي الشأن المحلي أولا بأول. وفي المحصلة، تكشف المقارنة أن الرياض وأبوظبي تسيران في الاتجاه ذاته: حكومة أقرب إلى المستخدم، وأسرع في الاستجابة، وأقل اعتمادا على الورق.

شارك الخبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *