عبد العزيز بن تركي يقود تحول الرياضة السعودية.. جدة نموذج المدينة الرياضية المتكاملة

عبد العزيز بن تركي يقود تحول الرياضة السعودية.. جدة نموذج المدينة الرياضية المتكاملة

لم تعد مسؤوليات وزير الرياضة السعودي عبد العزيز بن تركي مقتصرة على الإشراف على البطولات والمواسم الرياضية، بل امتدت لتشمل تحويل الرياضة إلى أداة لتعريف المملكة عالمياً وفتح مدنها أمام الزوار. ففي السنوات الأخيرة، اتسعت الملفات الرياضية بشكل كبير، وباتت المدن السعودية محطات متكررة لأبرز الأحداث العالمية، بدءاً من سباقات فورمولا 1 ووصولاً إلى البطولات القارية والعالمية، مما جعل الرياضة عنصراً أساسياً في رسم صورة المملكة الحديثة.

الرياضة السعودية: من الملعب إلى واجهة العالم

شهدت المملكة في السنوات الماضية قفزة نوعية في استضافة الأحداث الرياضية الكبرى، حيث وصلت بطولة فورمولا 1 إلى كورنيش جدة، واستضافت البلاد رالي السعودية، كما دخلت في مسار الإعداد لاستضافة كأس العالم 2034. هذه المشاهد المتعددة تؤكد أن الرياضة تجاوزت كونها نشاطاً منفرداً لتصبح إحدى الأدوات الفاعلة في الترويج للمملكة وتعريف العالم بمدنها.

في جدة تحديداً، يتجلى هذا التحول بوضوح. فمنذ عام 2021، ارتبط اسم المدينة بحلبة كورنيش جدة التي استضافت خمس نسخ من سباق جائزة السعودية الكبرى للفورمولا 1، لتصبح مقصداً للفرق والسائقين والجماهير من جميع أنحاء العالم. وفي عام 2025، أضافت جدة حدثاً جديداً إلى سجلها باستضافتها جولة من بطولة العالم للراليات، تحت إشراف وزارة الرياضة.

وجاء الإعلان عن استضافة المملكة لكأس العالم 2034 ليعزز مكانة جدة كإحدى المدن الخمس التي ستستضيف المباريات في هذه النسخة الأكبر تاريخياً بمشاركة 48 منتخباً. ويعد عبد العزيز بن تركي ضمن الهيئة العليا لاستضافة المونديال التي يرأسها ولي العهد.

جدة.. مدينة تستوعب الحدث وتصنع التجربة

في خضم هذا المسار، حلّت بطولة “خليجي 27” في جدة لأول مرة في تاريخ البطولة، وكان الاختيار هنا يتجاوز مجرد اختيار ملعب، بل كان اختيار مدينة بأكملها. مدينة قادرة على استقبال الجماهير داخل المدرجات وخارجها، ذات تاريخ عريق وبحر على الكورنيش، وحياة لا تتوقف عند صافرة الحكم.

ولم تقتصر أهمية الاستضافة على تنظيم البطولة، بل امتدت إلى صناعة سياق كامل حولها. الجماهير التي قدمت من أجل كرة القدم وجدت أمامها جدة التاريخية بأزقتها ورواشينها، والواجهة البحرية التي تحولت إلى مقصد رئيسي بين المباريات. وتشير التقارير المصاحبة للبطولة إلى حضور زوار من مختلف دول الخليج في جدة التاريخية والواجهات البحرية والمواقع الترفيهية، كما استقطبت واجهة روشن البحرية أعداداً كبيرة من الجماهير للاستمتاع بالبحر والمرافق والمساحات المفتوحة.

وهنا يصبح عمل وزير الرياضة أكثر وضوحاً؛ فالاستضافة الناجحة لم تعد تقاس بما يحدث داخل الملعب وحده، بل بقدرة المدينة على استيعاب الحدث وتقديم تجربة متكاملة. جدة قدمت نموذجاً في ذلك، حيث المباراة في ملعب مدينة الملك عبدالله الرياضية تليها جولة في البلد، والواجهة البحرية، والمطاعم، والمقاهي، والبحر. حتى الرحلة نفسها توسعت، إذ استثمر بعض الجماهير وجودهم في جدة لزيارة مكة والمدينة عبر قطار الحرمين، محولين الزيارة الرياضية إلى تجربة أوسع داخل المملكة.

خليجي 27: كأس سعودي في مدينة سعودية

كانت البطولة نفسها مثالاً على التكامل بين الرياضة والمدينة. المنتخب السعودي نجح في التتويج بلقب “خليجي 27” أمام جماهيره، لتكتمل الحكاية من المدرجات إلى منصة التتويج. جدة التي فتحت أبوابها للأشقاء الخليجيين، احتفلت في النهاية بكأس خليجية سعودية. الجمهور الذي عاش البطولة في شوارع المدينة وواجهاتها البحرية، وجد نفسه في ليلة الختام أمام لحظة وطنية مختلفة: منتخب بلاده يرفع الكأس، والمدينة كلها تعيش فرحة الانتصار.

لم يكن الخليج حاضراً في مدرجات جدة فقط، بل كان حاضراً في شوارعها. الأعلام الخليجية ظهرت في جدة التاريخية، والجماهير خرجت من الملاعب إلى الواجهات البحرية، وصار الحدث الرياضي جزءاً من حركة المدينة نفسها. ثم جاءت لحظة التتويج لتمنح المشهد بعداً آخر: السعودية تفوز بالكأس، وجدة تحتفل. في ليلة واحدة، اجتمعت صورة البطولة بصورة المدينة وصورة المنتخب؛ جمهور خليجي عاش تفاصيل الاستضافة، وجمهور سعودي احتفل باللقب، ومدينة استطاعت أن تكون مسرحاً للمنافسة وواجهة للاحتفال في الوقت نفسه.

واللافت أن جدة لم تكن بحاجة إلى التخلي عن شخصيتها لتحقق النجاح في الاستضافة، بل على العكس، أصبحت الرواشين جزءاً من المشهد، والبحر جزءاً من التجربة، والتاريخ جزءاً من ذاكرة الزائر. وهذا هو الفرق بين استضافة بطولة عادية، وجعل مدينة بأكملها تعيش الحدث.

صناعة المشهد: عبد العزيز بن تركي في قلب التحول

من فورمولا 1 إلى رالي السعودية، ومن دوري أبطال آسيا إلى الطريق نحو كأس العالم 2034، ثم إلى “خليجي 27″، تتضح ملامح مرحلة جديدة في الرياضة السعودية؛ مرحلة أصبح فيها الملعب نقطة انطلاق، لا نقطة نهاية. وفي جدة ظهر ذلك بأوضح صورة. مدينة كانت معروفة ببحرها وتاريخها، أصبحت اليوم تعرف أيضاً بقدرتها على استقبال أكبر الأحداث الرياضية. وحين جاء الخليج إليها، لم يجد مدينة مغلقة على بطولة، بل مدينة مفتوحة على تجربة كاملة. ثم غادر، بينما بقي الكأس في السعودية.

ربما لهذا كان الانبهار أكبر من نتيجة مباراة. فالمشجع الذي جاء من أجل منتخبه، وجد مدينة. والذي جاء لتسعين دقيقة، وجد أياماً. والذي دخل المدرج، خرج إلى البحر. والذي جاء لمتابعة بطولة، عاد بذكرى مدينة، وبقيت لديه صورة منتخب سعودي يرفع الكأس في جدة.

وهنا تكمن قيمة المشهد كله؛ أن الرياضة حين تُدار بهذا الاتساع لا تصنع منافسة فقط، بل تصنع حركة في المدينة، وتمنح الزائر سبباً لاكتشافها، وتمنح المكان فرصة للظهور بصورة جديدة. عبد العزيز بن تركي يقف اليوم في قلب هذا التحول، والملف أمامه لم يعد بطولة تنتهي بتتويج بطلها، بل هو جعل المملكة وجهة للرياضة العالمية، ومدنها قادرة على حمل الحدث وتقديم نفسها معه.

في جدة، كان “خليجي 27” واحداً من تلك اللحظات التي ظهر فيها التحول أمام الناس، لا في الخطط والملفات، بل ظهر في المدرجات، وفي البلد، وعلى البحر، وفي وجوه الجماهير الخليجية وهي تكتشف جدة من جديد. وظهر أيضاً في ليلة التتويج، حين ارتفع الكأس سعودياً، واكتملت الحكاية بانتصار المنتخب على أرضه وبين جماهيره.

وحين تنتهي البطولة، قد يبقى الكأس في خزينة الفائز، لكن الصورة الأوسع تبقى في ذاكرة من جاء: صورة جدة، مدينة البحر والتاريخ، وهي تفتح أبوابها للخليج، ثم تحتفل بكأسها مع منتخبها. وهكذا لم تعد الرياضة السعودية تستضيف العالم فحسب، بل أصبحت تأخذه في جولة داخل المكان الذي تستضيفه فيه، وتمنحه في النهاية قصة تستحق أن تُروى.

شارك الخبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *