رحلة مشجع من الرياض إلى جدة: بين آثار البلد وحماس خليجي 27

في جدة التاريخية: أجواء خليجي 27
كان الكاتب في الرياض يتصفح منصة “إكس” عندما لفت انتباهه مقاطع تُظهر منطقة أثرية داخل أسوارها تحكي عن نفسها. الساحات امتلأت بوجوه من كل دول الخليج، كبارًا وصغارًا، يتجولون في أماكن يمتد عمرها لمئات السنين، يتبادلون الأحاديث بحماس والتوقعات وسط أجواء مليئة بالإثارة، أهازيج مختلفة، ضحك ورقص وتصفيق، والفرح واضح على الوجوه. نعم، إنها أجواء “خليجي 27” في جدة التاريخية.
من السوق إلى الملعب: تجربة المتابعة
قرر فجأة أن يتوجه إلى جدة ليدعم منتخبنا الوطني أمام قطر بعد محاولات سابقة لحضور البطولة منذ بدايتها لم تُكتب لها أن تكتمل، وليعيش هذه الأجواء بنفسه من الميدان. لم يطق صبرًا؛ في ليلة الوصول نفسها توجه فورًا إلى المنطقة التاريخية، أو “البلد” كما يسميها أهل جدة، فاستقبلته روائح الأكلات الشعبية ممزوجة بعبق المكان، وإضاءات موزعة على المباني الأثرية بعناية تُظهر ملامحها وطرازها. مبانٍ يتداخل فيها الطين بالخشب، وتطل رواشينها على الممرات كأنها تراقب العابرين منذ زمن طويل.
ما رآه تلك الليلة لم يكن مجرد جماهير كرة قدم، بل مشهدًا يجمع أهل الخليج في مكان واحد. مشجعون وزوار يتنقلون بين الأزقة والممرات القديمة، يتأملون التفاصيل الحجازية، ويقفون أمام بيوت شهدت حياة اجتماعية وتجارية عرفتها المدينة عبر تاريخها. وبينهم انتشرت كاميرات القنوات الرياضية من كل الدول المشاركة، تستوقف المشجعين لتسألهم عن توقعاتهم للمباريات، وعن انطباعاتهم عن جدة وأجواء البطولة فيها، فصارت البلد نفسها “استوديو” مفتوحًا.
بالقرب من بيت “نصيف”، والساحات من حوله تضج بالجماهير، توقف لشراء آيس كريم بالورد المديني، وهو من الأشياء التي استوقفت him في البلد. بجانبه كان شاب بالزي القطري يلف شال منتخب بلاده على كتفيه، ودار بينهما حديث عن غرابة النكهة وطيب طعمها. افترقا وقد نسيا أنهما سيهتفان في الغد لمنتخبين مختلفين.
آثار البطولة خارج الملعب
ولم يقف أثر البطولة عند المنطقة التاريخية وساحاتها، فالمحلات والمراكز التجارية والمقاهي امتلأت بجماهير جاءت تكتشف جدة بعيدًا عن صخب المباريات.
وفي اليوم التالي اكتملت الحكاية في مدينة الملك عبد الله الرياضية، ملعب “الجوهرة”. منذ وصوله إلى محيط الملعب وحتى جلوسه بين الجماهير، كان التنظيم واضحًا من الطرق والبوابات إلى المدرجات ونظافة المرافق. عاش أكثر من مئة وعشرين دقيقة من الحماس وحبس الأنفاس، امتدت فيها المباراة إلى الأشواط الإضافية، ثم جاءت صافرة النهاية معلنة فوز منتخبنا على قطر وتأهله إلى النهائي، فانفجر المدرج بالاحتفالات والهتافات، وتعالت الأصوات والرقصات حتى شعر أن أركان الملعب تهتز معها. ما رآه في هذه الرحلة، داخل الأسوار وخارجها، كان شاهدًا من الميدان على نجاح المملكة في تنظيم البطولة، وعلى جاهزيتها لاستضافة ما هو أكبر.
هذه المناسبات، خصوصًا الرياضية، تجمع أناسًا من ثقافات وأعمار وطبقات اجتماعية مختلفة، ثم تذوب الفوارق بينهم ولا يبقى إلا الشغف الذي جاؤوا من أجله. الكرة تمنح الغرباء لغة جاهزة، فيبدأ الحديث بتوقع للنتيجة، وقد ينتهي بتبادل الأرقام ودعوة للزيارة.
وفي الخليج تحديدًا تأخذ هذه اللقاءات معنًى أعمق، فالذي يجمعهم أكبر من مباراة، لهجات متقاربة وعادات متشابهة، وأنساب وجيرة تمتد عبر الحدود. ومع ذلك تبقى البطولة مناسبة فريدة يلتقي فيها هذا الجمع وجهًا لوجه في مكان واحد، فتصبح المنافسة في الملعب سببًا للقاء خارجه، ويتحول الخلاف على النتيجة إلى مادة للمزاح بعيدًا عن الخصومة. وهذا ما عاشه مع الشاب القطري، كان كل منا يعرف أن أحدنا سيخرج حزينًا في الغد، ولم يمنعه ذلك من الوقوف معًا أمام نكهة غريبة نحاول وصفها.
والزائر يعود من هذه البطولات بصورة عن البلد الذي استضافه، وليس بما حدث في المباراة فقط. المشجع الذي تجول في البلد، وتذوق أكله، وتحدث مع أهله، سيحكي في مجلسه عن جدة وعما شاهده وأثار مشاعره. وهذه في رأيه أهم ما تقدمه البطولات، أنها تفتح الأبواب لمن جاء من أجل الملعب، فيكتشف ما هو أوسع منه.
وأراه فرصة نادرة وذهبية للتعارف والتآلف بين أشخاص ربما لن يجمعهم شيء آخر، لكن يجمعهم قاسم مشترك قوي “حب اللعبة”.
عاد إلى الرياض بفرحة التأمل وأمل الكأس، وبطعم ورد مديني لم يغادر ذاكرته بعد.






