مقابر كوم الشقافة بالإسكندرية.. حكاية ألفي عام من الحضارة

درج حلزوني يتجاوز طوله عشرة أمتار تحت سطح الأرض، يقود إلى أعماق صخرية في مدينة الإسكندرية شمالي مصر، حيث تنتصب ثلاثة طوابق منحوتة في باطن الأرض لتشكّل مقابر «كوم الشقافة»، ذلك العالم الجنائزي الذي يعود عمره إلى نحو ألفي عام.
وقد تجوّلت عدسة الأناضول في ممرات الموقع لتصل إلى قاعات فسيحة وحجرات دفن تزدان بالنقوش والزخارف، في منشأة أثرية يعود تاريخها إلى القرن الثاني الميلادي، تمتزج في تصميمها عناصر مصرية ورومانية.
ويُعد هذا الموقع من أبرز الأمثلة على العمارة الجنائزية الرومانية من طراز «الكتاكومب»، وهو النمط الذي يعني مقابر أو أنفاقاً محفورة تحت الأرض، تضم سراديب وحجرات منحوتة في الصخر.
سر الاسم
يرتبط اسم «كوم الشقافة» بتراكم الشقف الفخاري في المنطقة، وفق ما ذكرته وزارة السياحة والآثار المصرية.
وفي حديث للأناضول، أوضح كبير الأثريين في مصر مجدي شاكر أن زوار المقابر في العصر الروماني كانوا يتركون بقايا الأواني الفخارية المستخدمة في الطقوس الجنائزية، وهو ما أدى مع مرور الزمن إلى تكوّن كومة من الشقف الفخاري في المكان، ومن هنا جاءت التسمية.
كما يُعرف الموقع أيضاً بـ«الكتاكومب»، وهي لفظة لاتينية تطلق على المقابر والممرات المحفورة تحت الأرض أو سراديب الموتى.
وتُعد مقابر كوم الشقافة من أهم نماذج هذا الطراز المعماري، حيث تمتد على ثلاثة مستويات منحوتة في الصخر.
عالم الموت والخلود
ووفقاً لوزارة السياحة والآثار المصرية، فإن هذه المقابر تعود إلى القرن الثاني الميلادي، وتتميز بدمج تصميمها وزخرفتها بين الحضارتين المصرية والرومانية.
وتكشف النقوش والزخارف وحجرات الدفن عن المعتقدات الجنائزية السائدة في تلك الفترة، وكيف انعكست أفكار الموت والخلود على العمارة والفنون داخل المقبرة.
وكانت المقبرة في البداية مخصصة لأحد أعيان الإسكندرية، وتعود لأسرة رومانية ثرية عاشت في المدينة القديمة خلال القرن الثاني الميلادي، قبل أن تتحول لاحقاً إلى مقبرة عامة مع تراجع أعداد الدفن، خاصة في القرنين الثالث والرابع الميلاديين.
وبقيت المقابر قيد الاستخدام حتى نهاية القرن الرابع الميلادي، وتتكون من ثلاثة طوابق منحوتة في الصخر يربط بينها سلم حلزوني.
وتشير معلومات منشورة على موقع الرئاسة المصرية إلى أن درجات السلم في الجزء السفلي أعلى ارتفاعاً، ثم تتناقص تدريجياً كلما اتجهنا نحو سطح الأرض.
وتُظهر المقابر بوضوح امتزاج الفن المصري بالفن الروماني، وتزيد زخارفها وتعدد حجراتها وتعقيد تصميمها من قيمتها الأثرية.
اكتشاف مصادف
ظلت هذه السراديب مدفونة تحت الأرض لقرون طويلة، قبل أن يُعثر عليها بالصدفة عام 1900، حسبما ذكرت الرئاسة المصرية.
وبعد اكتشافها، واجه الموقع تحدياً جديداً تمثل في ارتفاع منسوب المياه الجوفية، خصوصاً في المستويات السفلى.
وفي مارس/آذار 2019، أعلنت وزارة الآثار المصرية الانتهاء من مشروع لخفض منسوب المياه الجوفية في المنطقة، بلغت تكلفته آنذاك 5.7 ملايين دولار.
وأتاح هذا المشروع فتح المستوى السفلي من مقابر «الكتاكومب» أمام الزوار لأول مرة منذ اكتشاف الموقع قبل 119 عاماً.
وقال وزير الآثار المصري آنذاك خالد العناني إن مشكلة ارتفاع المياه الجوفية صاحبت الموقع منذ اكتشافه.
وأضاف أن العمل في المشروع بدأ في مايو/أيار 2016، بعد أن تسببت المياه الجوفية في سقوط جزء من أحد جدران المقبرة يبلغ نحو سنتيمترين.
وأشار العناني إلى أن المشروع سمح برؤية الطابق السفلي جافاً لأول مرة منذ عام 1900.
تاريخ يجمع حضارتين
ويصف كبير الأثريين في مصر مجدي شاكر مقابر «كوم الشقافة» بأنها من أهم وأبرز المقابر التاريخية المتكاملة في الإسكندرية، لما تعكسه من طراز معماري يجمع بين خصائص الفن المصري القديم والفن اليوناني الروماني.
ويقول شاكر للأناضول إن المقابر المنحوتة في الصخر والممتدة عبر عدة طوابق تحت الأرض تضم نظاماً معمارياً يشمل سلالم حلزونية وقاعات للزيارة وتناول الطعام الجنائزي.
ويضيف أن الموقع يضم أيضاً نقوشاً وزخارف تعكس معتقدات المصريين القدماء والرومان حول الموت والخلود.
ويرى شاكر أن الخصائص المعمارية والبصرية للموقع تمنحه قدرة أكبر على جذب السياح من مختلف أنحاء العالم، داعياً إلى تحسين الترويج له عبر تقنيات عرض حديثة.
ويقترح استخدام الإضاءة التفاعلية ثلاثية الأبعاد والعروض الصوتية والموسيقية، إضافة إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي، لإعادة إحياء قصة اكتشاف المقابر وتاريخها بأسلوب سينمائي يواكب مستويات العرض العالمية.
ويشير إلى أن تصميم المقابر ودرجها الحلزوني وسراديب الموتى يمكن أن يشكل مادة سياحية جاذبة، داعياً الزوار الأجانب إلى اكتشاف ما يحمله الموقع من تاريخ وفنون تمتد لنحو ألفي عام.






